وهذا الاختلاس والتخفيف، إنما يكون في الضمة والكسرة، وأما الفتحة فليس فيها إلا الإشباع ولم تخفف الفتحة بالاختلاس، كما لم تخفف بالحذف من نحو: جَمَل وجَبَل، كما حذف من نحو: سَبُع وكَتِف، وكما لم يحذفوا الألف في الفواصل من حيث حذفت الياء والواومنها، نحو: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4] . وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء والواوفي الجر والرفع كما أبدلوا منه في النصب، فهذا الاختلاس وإن كان الصوت فيه أضعف من التمطيط وأخفى، فإن الحرف المختلس حركته بزنة المتحرك، وعلى هذا حمل سيبويه قول أبي عمرو {إِلَى بَارِئِكُمْ} فذهب إلى أنه اختلس الحركة ولم يشبعها، فهو بزنة حرف متحرك.
وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} قالوا: كيف؟ فقال: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} . قال أبو العباس: أصل القتل: إماتة الحركة. ومنه يقال: قتلت الخمر إذا مزجتها بالماء، لأنك كسرت شدتها، كأنك قتلت حركتها، قال حسان:
إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا قُتِلَتْ ... قُتِلَتْ فَهَاتِهَا لَمْ تُقْتَلِ
وتقول: قتلته علما: إذا أتقنته وتحققته، وذلك أنك أزلت اضطرابه في نفسك.
وقلب مُقَتَّل: إذا ذلل بالعشق، ومنه قوله: أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وكذلك المُقَتَّل من الدواب: المذلل بكثرة العمل.
قال زهير.
كَأَنَّ عيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مَن النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقَا
قوله: جنة سُحُقا قال أبو علي: أراد نخيل جنة, لأن السحق يكون من صفة النخيل لا من صفة الجنة, وهي التي بسقت فطالت.
ومعنى قوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: ليقتل البريء المجرم , وجاز هذا؛ لأن من قتل أخاه أباه وجاره وحليفه فكأنه قتل نفسه، ومنه قوله: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] أي: قتلوا منكم بعضكم الذين هم كأنفسكم.