السحر من قبيل هذه الأمور. وتعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور. وقد تكون صورة من صوره: القدرة على الإيحاء والتأثير ، إما فِي الحواس والأفكار ، وإما فِي الأشياء والأجسام.. وإن كان السحر الذي ذكر القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرد تخييل لا حقيقة له: {فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} - ولا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء وزوجه ، وبين الصديق وصديقه. فالانفعالات تنشأ من التأثرات. وإن كانت الوسائل والآثار ، والأسباب والمسببات ، لا تقع كلها إلا بإذن الله ، على النحو الذي أسلفنا.
أما من هما الملكان: هاروت وماروت؟ ومتى كانا ببابل؟ فإن قصتهما كانت متعارفة بين اليهود.
بدليل أنهم لم يكذبوا هذه الإشارة ولم يعترضوا عليها. وقد وردت فِي القرآن الكريم إشارات مجملة لبعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين بها ؛ وكان فِي ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض ، ولم يكن هنالك ما يدعو إلى تفصيل أكثر. لأن هذا التفصيل ليس هو المقصود.
ولا أحب أن نجري نحن - فِي ظلال القرآن - خلف الأساطير الكثيرة التي وردت حول قصة الملكين. فليست هنالك رواية واحدة محققة يوثق بها.
ولقد مضى فِي تاريخ البشرية من الآيات والابتلاءات ما يناسب حالتها وإدراكها فِي كل طور من أطوارها. فإذا جاء الاختيار فِي صورة ملكين - أو فِي صورة رجلين طيبين كالملائكة - فليس هذا غريباً ولا شاذاً بالقياس إلى شتى الصور وشتى الابتلاءات الخارقة ، التي مرت بها البشرية وهي تحبو ، وهي تخطو ، وهي تقفو أشعة الشعلة الإلهية المنيرة فِي غياهب الليل البهيم!