وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لا نصيب لهم فِي الآخرة. والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووعود القرآن لهم.. فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو اليهود إلى مباهلة. أي بأن يقف الفريقان ويدعوا الله بهلاك الكاذب منهما:
{قل: إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} .
ويعقب على هذا التحدي بتقرير أنهم لن يقبلوا المباهلة ، ولن يطلبوا الموت. لأنهم يعلمون أنهم كاذبون ؛ ويخشون أن يستجيب الله فيأخذهم. وهم يعلمون أن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيباً فِي الآخرة. وعندئذ يكونون قد خسروا الدنيا بالموت الذي طلبوه ، وخسروا الآخرة بالعمل السيئ الذي قدموه.. ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدي. فهم أحرص الناس على حياة. وهم والمشركون فِي هذا سواء:
{ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم. والله عليم بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة. ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يُعمر ألف سنة. وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، والله بصير بما يعملون} .
لن يتمنوه. لأن ما قدمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم فِي ثواب ، ولا يؤمنهم من عقاب. إنه مدخر لهم هناك ، والله عليم بالظالمين وما كانوا يعملون.
وليس هذا فحسب. ولكنها خصلة أخرى فِي يهود ، خصلة يصورها القرآن صورة تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} .
.أية حياة ، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير! حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام! إنها يهود ، فِي ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء. وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة. فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس ، وعنت الجباه جبناً وحرصاً على الحياة.. أي حياة!