{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ أفلا تعقلون؟ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؟} ..
كانت صورة الجفاف والقسوة والجدب هي التي صور الله بها قلوب بني إسرائيل فِي نهاية الدرس الماضي. صورة الحجارة الصلدة التي لا تنض منها قطرة ، ولا يلين لها ممس ، ولا تنبض فيها حياة.. وهي صورة توحي باليأس من هذه الطبيعة الجاسية الجامدة الخاوية.. وفي ظل هذا التصوير ، وظل هذا الإيحاء ، يلتفت السياق إلى المؤمنين ، الذين يطمعون فِي هداية بني إسرائيل ، ويحاولون أن يبثوا فِي قلوبهم الإيمان ، وأن يفيضوا عليها النور.. يلتفت إلى أولئك المؤمنين بسؤال يوحي باليأس من المحاولة ، وبالقنوط من الطمع:
{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم؟ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؟} ..
ألا أنه لا مطمع ولا رجاء فِي أن يؤمن أمثال هؤلاء. فللإيمان طبيعة أخرى ، واستعداد آخر. إن الطبيعة المؤمنة سمحة هينة لينة ، مفتحة المنافذ للأضواء ، مستعدة للإتصال بالنبع الأزلي الخالد بما فيها من نداوة ولين وصفاء. وبما فيها من حساسية وتحرج وتقوى. هذه التقوى التي تمنعها أن تسمع كلام الله ثم تحرفه من بعد تعقله.
تحرفه عن علم وإصرار. فالطبيعة المؤمنة طبيعة مستقيمة ، تتحرج من هذا التحريف والالتواء.