ثالثاً: وضربٌ آخر من السّحر عن طريق النميمة ، والوشاية ، والإفساد من وجوه خفيّة لطيفة ، وذلك عام شائع فِي كثير من الناس . . وقد حُكي أنّ امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين ، فجاءت إلى الزوجة فقالت لها: إنّ زوجك معرضٌ عنك ، وهو يريد أن يتزوج عليك ، وسأسحره لك حتى لا يرغب عنك ، ولا يريد سواك ، ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها حتّى يتم سحره ، فاغترت المرأة بقولها وصدقتها ، ثمّ ذهبت إلى الرجل وقالت له: إن أمرأتك قد أحبّت رجلاً وقد عزمت على أن تذبحك بالموسى عند النوم لتتخلص منك ، وقد أشفقت عليك ولزمني نصحك ، فتيقّظ لها هذه الليلة وتظاهر بالنوم فستعرف صدق كلامي ، فلما جاء الليل تناوم الرجل فِي بيته فجاءت زوجته بالموسى لتحلق بعض شعرات من حلقه ، ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه ، فلم يشكّ فِي أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها ، فبلغ الخبر إلى أهلها فجاءوا فقتلوه ، وهكذا كان الفساد بسبب الوشاية والنميمة .
رابعاً: وضرب آخر من السحر وهو الاحتيال وذلك بإطعام الإنسان بعض الأدوية المؤثرة فِي العقل ، أو إعطائه بعض الأغذية التي لها تأثير على الفكر والذكاء ، كإطعامه (دماغ الحمار) الذي إذا أطعمه إنسان تبلّد عقله ، وقلّت فطنته مع أدوية أخرى معروفة فِي كتب الطب ، فإذا أكله الإنسان تصرّف تصرفاً غير سليم فيقول الناس: به مسّ أو أنه مسحور .
فأنت ترى أنهم يُرجعون السحر إمّا إلى تمويه وتخييل ، وإمّا إلى مواطأة ، وإمّا إلى سعي ونميمة ، وإمّا إلى احتيال ، ولا يرون الساحر يقدر على شيء ممّا يثبته له الآخرون من التأثير فِي الأجسام ، ومن قطع المسافات البعيدة فِي الزمن اليسير .