واختلف فِي كيفية تلقي ذلك العلم منهما ، فقال مجاهد: هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ، ويختلف إليهما شيطانان فِي كل سنة اختلافه واحدة ، فيتعلمان منهما ما يفرّقان به بين المرء وزوجه.
والظاهر أن هاروت وماروت هما اللذان يباشران التعليم لقوله: {وما يعلمان} .
وقد ذكر المفسرون قصصاً فيما يعرض من المحاورة بين الملكين وبين من جاء ليتعلم منهما ، وفي كل من ذلك القصص أنهما يأمرانه بأن يبول فِي تنور.
فاختلفوا فِي الإيمان الذي يخرج منه ، أيرى فارساً مقنعاً بحديد يخرج منه حتى يغيب فِي السماء ؟ أو نوراً خرج من رماد يسطع حتى يدخل السماء ؟ أو طائراً خرج من بين ثيابه وطار نحو السماء ؟ وفسروا ذلك الخارج بأنه الإيمان.
وهذا كله شيء لا يصح ألبتة ، فلذلك لخصنا منه شيئاً ، وإن كان لا يصح ، حتى لا نخلي كتابنا مما ذكروه.
{فيتعلمون} : قاله الفراء ، واختاره الزجاج ، وهو معطوف على شيء دل عليه أول الكلام ، كأنه قال: فيأبون فيتعلمون.
وقال الفرّاء أيضاً: هو عطف على {يعلمون الناس السحر} ، {فيتعلمون منهما} .
وأنكره الزجاج بسبب لفظ الجمع فِي يعلمون ، وقد قال منهما.
وأجازه أبو علي وغيره ، إذ لا يمتنع عطف فيتعلمون على يعلمون ، وإن كان التعليم من الملكين خاصة ، والضمير فِي منهما راجع إليهما ، لأن قوله: فيتعلمون منهما ، إنما جاء بعد ذكر الملكين.
وقال سيبويه: هو معطوف على كفروا ، قال: وارتفعت فيتعلمون ، لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر ، فيتعلموا ليجعلا كفره سبباً لتعلم غيره ، ولكنه على كفروا فيتعلمون.
يريد سيبويه: أنّ فيتعلمون ليس بجواب لقوله: فلا تكفر ، فينصب كما نصب {لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب} لأن كفر من نهي أن يكفر فِي الآية ، ليس سبباً لتعلم من يتعلم.