الضمير المنصوب بـ (نزله) عائد للقرآن إما لأنه تقدم فِي قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} [البقرة: 91] وإما لأن الفعل لا يصلح إلا له هنا على حد {حتى توارت بالحجاب} [ص: 32] {فلولا إذا بلغت الحلقوم} [الواقعة: 83] .
وهذه الجملة قائمة مقام جواب الشرط لظهور أن المراد أن لا موجب لعداوته لأنه واسطة أذنه الله بالنزول بالقرآن فهم بمعاداته إنما يعادون الله تعالى فالتقدير من كان عدواً لجبريل فلا يعاده وليعاد الله تعالى.
وهذا الوجه أحسن مما ذكروه وأسعد بقوله تعالى {بإذن الله} وأظهر ارتباطاً بقوله بعد {من كان عدواً لله وملائكته} كما ستعرفونه ويجوز أن يكون التقدير فإنه قدنزله عليك سواء أحبوه أم عادوه فيكون فِي معنى الإغاظة من باب {قل موتوا بغيظكم} [آل عمران: 119] ، كقول الربيع بن زياد:
من كان مسروراً بمقتل مالك...
فليأتتِ ساحَتنا بوجه نهار
يجد النساءَ حواسراً يندبنه...
بالليل قبل تبلج الإسفار
أي فلا يسر بمقتله فإنا قد قتلنا قاتله قبل طلوع الصباح فإن قاتله من أولياء من كان مسروراً بمقتله.
ويجوز أن يكون المراد فإنه نزل به من عند الله مصدقاً لكتابهم وفيه هدى وبشرى ، وهذه حالة تقتضي محبة من جاء به فمن حمقهم ومكابرتهم عداوتهم لمن جاء به فالتقدير فقد خلع ربقة العقل أو حلية الإنصاف.
والإتيان بحرف التوكيد فِي قوله: {فإنه نزله} لأنهم منكرون ذلك.
والقلب هنا بمعنى النفس وما به الحفظ والفهم ، والعرب تطلق القلب على هذا الأمر المعنوي نحو: {إن فِي ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37] كما يطلقونه أيضاً على العضو الباطني الصنوبري كما قال:
كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً...
و {مصدقاً} حال من الضمير المنصوب فِي {أنزله} أي القرآن الذي هو سبب عداوة اليهود لجبريل أي أنزله مقارناً لحالة لا توجب عداوتهم إياه لأنه أنزله مصدقاً لما بين يديه من الكتب وذلك التوراة والإنجيل.