فجوابه: أنه ليس في إخبارهم ذلك إلا ما في إخبارهم بأن من قضى شهواته كلها دهراً طويلاً ثم تاب إلى الله تعالى توبة صحيحة، صحت بتلك المزية عنه في تلك الساعة جميع الأوزار، وصار كيوم ولدته أمه.
فإن كان هذا جائزاً، والأخبار به جائزاً مثله، فلم لا جاز أن تكون الشفاعة والأخبار بها جائزين؟.
فإن قال: لا تجزئه في منزل التوبة وإحباط الخطايا، لأن الخاطئ لا يعلم من نفسه أن التوبة تنفعه أو لا تنفعه.
قيل له: والخاطئ لا يعلم أن الشفاعة تناله أو لا تناله.
فإن الخاطئين كلهم لا يسلمون من النار إنما يسلم منها بعضهم وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: الشفاعة حق، ولكنكم تضعونها في غير موضعها، وإنما هي لصاحب الكبيرة، والمنهمك في الخطيئة إذا مات، ثم أخبرهم، من قريب توفي في القيامة، وليس وراء الإيمان عمل صالح فيشفع النبي - صلى الله عليه وسلّم - له إلى الله تعالى ليحسن إليه منتدباً إن كان لا يستحق أن يحسن إليه جازياً ومشيئاً.
فالجواب: أن قول النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» .
تأبى هذا التأويل، لأن فيه أن المشفوع له يكون من أهل الكبيرة حتى يشفع له، والتائب في الدنيا لا يوافي القيامة بكبيرته، فلا تكون الشفاعة كما ذكرت شفاعة لصاحب كبيرة لأنه لا كبيرة له يحاسب بها يوم القيامة.
وأيضاً فإن الروايات قد نطقت بإبطال هذا التأويل لأن ابن عباس قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: شفاعتكم للمتقين! إن المتقين في غناء، إن الله - عز وجل - يقول: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} ، إنما شفاعتي للهلاك من أمتي.
ومعلوم أن التائب لا يكون هالكاً، فصح أن المراد به المصر على الكبيرة والله أعلم.
وأيضاً فإن التائب إذا دخل الجنة أثبت بالإيمان، فلو جاز أن يشفع لكل مقصر به عن غيره ليبلغ درجة من فوقه إلى أن يستوي أهل الجنة كلهم في نعيمها، ويزول التفاضل من بينهم، ومعلوم أن ذلك لا يكون، فالذي قاله مثله وبالله التوفيق.
وأيضاً فإن الذي في العادات، إن الشفاعة لمن عظم ذنبه بعد ما عفي عنه ليخلو بمن لا ذنب له إحساناً إليه أعظم من الشفاعة به ليعفي عنه.
فإن كانت أعظم الشفاعتين جائزة، فلم لا تجوز التي دونها؟ وبالله التوفيق.