وَهَذَا التَّعْبِيرُ أَدَلُّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ كُلِّ تَعْبِيرٍ ، خِلَافًا لِمَا يَتَرَاءَى لِغَيْرِ الْبَلِيغِ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ: بَدَّلُوا الْقَوْلَ بِغَيْرِهِ ، دُونَ أَنْ يُقَالَ: غَيْرُ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ، فَإِنَّ مُخَالِفَ أَمْرِ سَيِّدِهِ قَدْ يُخَالِفُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْوِيلِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِهِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ فِي الْآيَةِ: إِنَّهُمْ خَالَفُوا الْأَمْرَ خِلَافًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ غَيْرُ الَّذِي قِيلَ ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِحَرَكَةٍ يَأْتُونَهَا ، وَكَلِمَةٍ يَقُولُونَهَا ، وَتَعَبَّدُوا بِذَلِكَ ، وَجُعِلَ سَبَبًا لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا عَنْهُمْ ، فَقَالُوا غَيْرَهُ وَخَالَفُوا الْأَمْرَ ، وَكَانُوا مِنَ الْفَاسِقِينَ . وَأَيُّ شَيْءٍ أَسْهَلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنَ الْكَلَامِ ، يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ ، وَقَدِ اخْتَرَعَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُكَلَّفُوا قَوْلَهُ لِسُهُولَةِ الْقَوْلِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ ، فَكَيْفَ يُقَالُ أُمِرَ هَؤُلَاءِ بِكَلِمَةٍ يَقُولُونَهَا فَعَصَوْا بِتَرْكِهَا ؟ إِنَّمَا يَعْصِي الْعَاصِي إِذَا كُلِّفَ مَا يَثْقُلُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَحْمِلُهَا عَلَى غَيْرِ مَا اعْتَادَتْ ، وَأَشَقُّ التَّكَالِيفِ حَمْلُ الْعُقُولِ عَلَى أَنَّ تُفَكِّرَ فِي غَيْرِ مَا عَرَفَتْ ، وَحَثُّ النُّفُوسِ عَلَى أَنْ تَتَكَيَّفَ بِغَيْرِ مَا تَكَيَّفَتْ .