وَيَقُولُ الْمُؤَوِّلُونَ: إِنَّهُمْ لَمَّا عَبَرُوا انْفَرَقَ بِهِمْ ، وَكَانُوا لِاسْتِعْجَالِهِمْ وَاتِّصَالِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ قَدْ جَعَلُوا ذَلِكَ الْمَاءَ الرَّقَارِقَ فِرْقَيْنِ عَظِيمَيْنِ مُمْتَدَّيْنِ كَالطَّوْدَيْنِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) وَلَمْ يَقُلْ: فَرَقْنَا لَكُمُ الْبَحْرَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاءَ هُنَا لِلْآلَةِ ، كَمَا تَقُولُ: قَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) (26: 63) فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي أَنَّ الِانْفِلَاقَ كَانَ بِهِمْ كَمَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ لَا بِالْعَصَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أَوْحَاهُ اللهُ - تَعَالَى - إِلَى مُوسَى هُوَ أَنْ يَخُوضَ الْبَحْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَدْ عُهِدَ أَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ عَصًا إِذَا أَرَادَ الْخَوْضَ فِي مَاءٍ كَتُرْعَةٍ أَوْ نَهْرٍ ، فَإِنَّهُ يَضْرِبُ الْمَاءَ أَوَّلًا بِعَصَاهُ ثُمَّ يَمْشِي ، فَهَذِهِ الْآيَةُ مُعَبِّرَةٌ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى: أَيْ أَلْهَمَهُ اللهُ عِنْدَ مَا وَصَلَ إِلَى الْبَحْرِ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ وَيَمْشِيَ ، فَفَعَلَ وَمَشَى وَرَاءَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِجَمْعِهِمُ الْكَبِيرِ ، فَانْفَلَقَ بِهِمُ الْبَحْرُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: (فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (26: 63) فَهُوَ تَشْبِيهٌ مَعْهُودٌ مِثْلُهُ فِي مَقَامِ الْمُبَالَغَةِ ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) (11: 42) وَقَوْلِهِ: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) (42: 32) فَالْأَمْوَاجُ وَالسُّفُنُ وَالْجَوَارِي لَا تَكُونُ