قال الإمام الحافظ [1] : وقد طال بحثي عن هذه المسألة وإتعاب خاطري فيها، حتّى مَرَّ بي رجلٌ في بعض أسفاري من أهل العِلم واللغة، كبير مشهورٌ، فقال لي: إنَّ الباء في قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [2] جاءت لفائدة، وذلك أنّ المسح يقتضي ممسوحًا وممسوحًا به، والممسوح به قد يكون آلة لاتِّصال الفعل كاليد، وقد يكون محصّلًا لمقصود المسح كالمنديل [3] ، فإذا تقرَّرَ هذا، فالمعنى كما تقدَّمَ. فلو قال البارئ سبحانه وتعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [4] بإسقاط الباء، لأجزأَ المسح باليد مرورًا على الرّأس من غير ماء ولا شيءٍ، فدخلتِ الباءُ لتُفيدَ ممسوحًا به وهو الماء. فكأنّه قال سبحانه:"وامسحوا برءوسِكُم الماءَ"وهذا من باب القلب الفصيح في اللغة المستعمل في العادة، خصوصًا في المسح، قال الشاعر [5] :
وَمَسَحَت باللِّثتَيْنِ عَصْفَ الإِثْمِدِ
واللَّثَّةُ هي الممسوحة بعَصْفِ الإِثمِد، فقلَب، ولكن المعنى ظاهر والفصاحة قائمة.
تكملة:
قال الشّيخُ أبو محمد [6] - رضي الله عنه:"اختلف في معنى قوله:"بَدَأَ بمُقَدَّمِ رَأسِهِ"؟ فقيل: إنّه بدأ من حدِّ منابت الشَّعر."
وقيل: بَدأَ بنَاصِيَّتِهِ.
وكلُّ واسعٌ، والأوَّلُ أصْوَب [7] ، وقد روى أشهب عن مالكٌ؛ أنَّه يبدأ من حدِّ منابتِ الشَّعر"."
(1) هذا هو الجواب الثاني كما في القبس.
(2) المائدة: 6، وانظر أحكام القرآن: 2/ 571.
(3) في أحكام القرآن:"والمحصل للمقصود من المسح، وهو المنديل، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به".
(4) المائدة: 6.
(5) هو خفاف بن ندبة، في ديوانه: 514، وشطر البيت الأوّل:"كنواحٍ ريش حمامةٍ نجديّةٍ".
(6) يعني ابن أبي زيد القيرواني في النَّوادر والزِّيادات: 1/ 39
(7) في النّوادر:"والأوّلُ أوْلى".