في هذا الباب مسائل:
المسألة الأولى [1] :
"كانَ عمرُ إذا قَدِمَ مكَّةَ صلّى بهم ركعتين" [2] لأنّه كان لا يستوطن مكَّةَ، وإن أقام اليومين والثّلاثة؛ لأنّ المهاجر ممنوعٌ من استيطإنها؛ لأنّه [3] قد هجرها لله تعالى، فكان حُكمُهُ فيها حكم المسافر.
تنبيه على إشكالٍ [4] :
قال الإمام: وقع الإشكال الّذي هذه الإقامة بمكّة، وإنَّي لأعجب من قول ابن عبَّاس- مع سَعَةِ عِلْمِهِ وتَبَحْبُحِهِ في الأخبار والآثار-: أقام رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - بمَكَّةَ خمسة عشر يومًا يقصرُ الصّلاة، فنحنُ إنّ أقَمْنَا خمسة عشر يومًا قصرنَا، وإنْ زِدْنَا أَتممْنَا [5] . ورُوِيَ سبعة عشر يومًا [6] ، وإقامةُ النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - في هذه المرة لم تكن بنيّة الإقامة، وإنّما كان متوكِّفًا للرّحيل مُتَشَوِّقًا إلى القفول، والعوارض تلويه، حتّى تجرَّدَ عنها. ومَنْ أقام على هذه الحال سَنَة قصر الصّلاة، لكن مالكًا - رحمه الله - رأى حديث النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم:"يمكثُ المهاجرُ بمكَّةَ ثلاث ليالٍ" [7] فركّب عليه.
وجهُ التَّركيبِ [8] :
وذلك أنّ الله حرم على المهاجرين الإقامة بمكَّة؛ لأنّهم تركوها لئه، فلم يجز الرُّجوع فيها، كما لا يجوز الرّجوع في الصَّدَقَةِ. فلمّا اْذِنَ النَبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - لهم في ثلاثة أيّام
(1) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 1/ 266 - 267.
(2) رواه مالكٌ في الموطَّأ (404) رواية يحيى.
(3) في المنتقى:"لأنّها".
(4) انظره في القبس: 1/ 332 - 333.
(5) أخرجه مختصرًا النسائي في الكبرى (511) ، وأبو داود (1231) ، وابن ماجه (1076) ، والبيهقي: 3/ 151 من حديث ابن عبّاس.
(6) أخرجها ابن أبي شيبة (8211) ، وأبو داود (1230) ، وابن حبان (2739) من حديث عكرمة عن ابن عبّاس.
(7) أخرجه البخاريّ (3933) ، ومسلم (1353) من حديث العلاء بن الحضرمي.
(8) انظره في القبس: 1/ 333 - 334.