وقيل: إنّه مجهول لا يُعْرَفُ إلّا في هذا الحديث [1] . وما أظنّه [2] إلّا معروف محفوظ من حديث أبي هريرة، وقد رَوَى حديثه هذا بِشْرُ بن عمر، عن مالك، فقال فيه: عن ابنِ عطيَّةَ أو أبي عطيّة - يشكّ بِشْر- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلم:"لا طِيَرَةَ ولا هَامَ، ولا يعْدِي سَقِيمٌ صحيحًا، وَلْيَحِلَّ المصحُّ حيثُ شاءَ" [3] .
وهذا حديث قد اضطرب النَّاس فيه، والحديثُ صحيحٌ [4] .
الأصول والمعاني في ثمانية مسائل:
المسألةُ الأولى [5] :
قوله:"لا عَدْوَى"هي عبارة عن اعتقاد المرء أنّ مكروهًا جَلَبَ إليه مكروهًا، وأصلهم في ذلك السّانح والبارحُ، فعبّروا بكلِّ مكروهٍ يَجلِبُ في اعتقادهم مكروهًا عنه، فقال النّبىِّ - صلّى الله عليه وسلم:"لَا عَدْوَى"نفيًا أنّ تكون الأدواء تَجلِب الأدواء، وإعلامًا منه أنّ ما اعتُقِدَ من ذلك من اعتقادهم كان باطلًا.
المسألة الثّانية [6] :
قوله:"ولا هَامَةَ"فأرادَ به الرَّدَّ على العرب فيما كانت تعْتَقِدُهُ من أنّ الرّجُلَ إذا قُتِلَ خرج من رأسه طائر يَزْقُو، فلا يَسْكُتُ حتَّى يُقْتَلَ قاتِلُه.
وقال بعضهم: إنَّ عِظَامَ القتيلِ تصيرُ هامةً، فتطيرُ [7] ، وكانوا يسمّون ذلك الطائر الصّدى. وقال لَبِيدٌ [8] يرثي أخاه:
(1) نقله ابن حجر في تعجيل المنفعة (1345) عن ابن عبد البرّ.
(2) أي: وما يظنّ الحديث.
(3) أخرجه ابن عبد البرّ في الاستذكار: 27/ 53، والتمهيد: 24/ 189 - 190، والبيهقي: 7/ 217.
(4) أخرجه البخاريّ (5707) ، ومسلم (2220) من حديث أبي هريرة.
(5) انظرها في القبس: 3/ 1133.
(6) ما عدا العبارة الأولى المذكورة في القبس: 3/ 1133 فالباقي مقتبس من الاستذكار: 27/ 55 - 56.
(7) قاله ابن حبيب في تفسير غريب الموطّأ: الورقة 156.
(8) في ديوانه: 209.