معناه يسيرون [1] ، من قوله تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [2] ورواه ابنُ وهبٍ: يُبسُّون بضمِّ الياء من الرُّبَاعي، وفسره فقال: يُزَيِّنون لهم الخروج [3] . وكذلك رواه ابنُ حبيبٍ عن مُطَرِّف وفسَّرَهُ بنحو ذلك، فقال [4] :"يُزَيِّنون لهم البلدَ الّذي جاءوا منه، ويحبِّبونَهُ إليهم، ويَدْعُونَهم إلى الرّحيل إليه من المدينة، وذلك مأخوذٌ [5] من إبْسَاسِ الحَلُوبَةِ [6] عند حِلَابِها حتّى تَدُرُّ باللَّبن، وهو أنّ يجرَّ يده [7] على وجهها وصَفْحَة عُنُقِها، كأنّه يُزَيِّنُ ذلك عندها" [8] .
الثّانية [9] :
أمّا قولُه:"وَالْمَدِينَةُ خيرٌ لَهُم"فالخير ههنا من طريق الفضل؛ لأنّ سُكْنَى المدينة للصّلاة في مسجد النّبيّ -عليه السّلام- الّذي صلاةٌ فيه خير من الصّلاة فيما سِواهُ من المساجد، وأفضلُ بألفِ درجةٍ، إِلَّا المسجدَ الحرامَ فإنّ الصّلاة فيه أفضلُ لما قدّمناه [10] . ولم يذكر في هذا الحديث مكَّةَ، وقد عَلِمَ أنّها ستُفْتَحُ عليه كما تُفتَحُ الشّام والعراق واليمن؛ لأنّ مكّة ليست كغيرها.
(1) أنكر ابن حبيب هذا القول أشد الإنكار فقال:"وليس يَبسُّون من السير، كما قال من لا يعرف التّأويل ولا الإعراب، لو كان معناها يسيرون النَّاس لكانت يبسُّون النَّاس -بنصب الباء ورفع السِّين، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} يعني: سُيْرت الجبال تسييرا فقال [بُسَّت] ولم يقل: أبَسِّتْ، فافهم تغيير ذلك بالمعنى في الإعراب). وانظر الاقتضاب: 99/ ب."
(2) الواقعة: 5.
(3) أوردها الجوهري في مسند الموطَّأ: 578.
(4) في تفسير غريب الموطَّأ: الورقة 138 [2/ 96 - 97] .
(5) في تفسير ابن حبيب:"... المدينة، وهو الإبساس بالألف، وإنّما هو مأخوذ ...".
(6) ذات اللَّبن.
(7) في تفسير ابن حبيب:"وهو أنّ نجري يدك".
(8) في تفسير ابن حبيب:"كأنك تزين ذلك وتحسنه لها ويطيبّها به".
(9) هذه المسألة مقتبسة من الاستذكار: 26/ 28.
(10) صفحة: 167 - 168 من هذا المجلد.