والإرشاد، مع استحسانهم [1] الرُّكوع لكلِّ مَنْ دخلَ المسجدَ وهو طاهرٌ، في وقتٍ تجوزُ فيه النّافلة.
وقال مالكٌ [2] : هو حسنٌ وليس بواجب.
وأوجب أهلُ الظّاهر [3] ذلك فَرْضًا على كلِّ من دخلَ المسجدَ في كلّ وقت؛ لأنّ فعلَ الخير لا يُمْنَعُ منه إلَّا بدليلٍ مُعَارِض.
قال الإمام: وهذا القولُ لا يُلْتفَتُ إليه، فإن الأدلَّةَ مَعَنَا قائمةٌ، ولا يقوم بقوله أهل الظّاهر حُجَّة.
قال الطّحاوي [4] : وحُجَّةُ الجماعة في ذلك: اْنّ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - سُلَيْكًا حين جاء يوم الجمعة وهو يخطبُ أنّ يركعَ ركعتين [5] ، وأمر مرّة أخرى رجلًا رآه يتخطَّى رقابَ النَّاسِ بالجلوس [6] ، ولم يأمره بالرّكوع عند دخوله. وفي حديث آخر:"اجلس فقد آنيتَ وآذَيْتَ" [7] . فهذا يخالفُ حديثَ سُلَيْك، فاستَعْمل الأحاديث على ما تأوَّلَها جماعة الفقهاء [8] .
وقول أهل الظّاهر في ذلك خطأ، لقوله:"ونهيه عن الصّلاة عند طلوع الشّمس وعند غروبها" [9] وغير ذلك من الأوقات المنهي، فمن دخل المسجدَ في هذه الأوقات، فليس بداخلٍ في أَمْرِهِ -عليه السّلام- بالرُّكوع عند دخوله.
المسألة الثّانية [10] : قال علماؤنا [11] : قوله:"إذا دخلَ أحدُكُم المسجدَ فَلْيَرْكَعْ ركعتينِ"لَفْظُه لفظ الأمر وهو محمولٌ على النَّدْبِ، بدليل أنّه لا يجب من الصَّلوات
(1) في شرح ابن بطّال:"استحبابهم".
(2) في الموطّأ: 1/ 231 رواية يحيى.
(3) انظر المُحَلَّى: 2/ 231، 5/ 69.
(4) انظر شرح معاني الآثار: 1/ 366، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي، والمُختَصِرُ هو الجصّاص الرّازي: 1/ 337.
(5) أخرجه البخاريّ (931) ، ومسلم (875) من حديث جابر.
(6) رواه أبو داود (1118) ، والنّسائي: 3/ 103، وابن حبّان (2797) ، والحاكم: 1/ 288 وقال:"صحح على شرط مسلم ولم يخرجاه"من حديث عبد الله بن بسر. وانظر تلخيص الحبير: 2/ 71.
(7) أخرجه ابن حبان (2795) من حديث عبد الله بن بسر، وانظر تخريجنا السابق.
(8) في شرح ابن بطّال:"واستعمال الأحاديث هو على ما تاوّلها عليه جماعة الفقهاء".
(9) أخرجه مالكٌ في الموطّأ (587) رواية يحيى. من حديث ابن عمر.
(10) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 1/ 285.
(11) المقصود هو الإمام الباجي.