وإنما فعل ذلك اقتداء بسليمان - عليه السلام - كما أمره الله، وعرض الله عليه خيل الله
المعدة لأعدائه، فشغله ذلك نسيانًا كالبشر، ولما ذكر قال (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) . كالذي اعترى لمحمد - عليهما
السلام - فالخير هنا عبارة عن العمل الصالح.
قال الله عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(77) .
وقال: (يُسَارِعُونَ فِي الخيرَاتِ) لكن كل الخيرات، فذكر الله
أكبر منها، فقال - عليه السلام - لما تذَّكر الصلاة: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) أي:
العمل الصالح؛ أي: شغلني عما هو أفضل فصلاها، ثم قال: (رُدُّوهَا عَلَيَّ)
أي: ردوا ما بقي منها للعرض، أو ردوا أواخرها على أوائلها.
وتفرغ لذلك الخير ومباشرته بنفسه، فمسح بيده أو بثوبه على أعرافها وأعناقها
وأواخرها، ففي هذا من الفقه أن يبدأ العبد بما هو أوجب عليه، وبما هو الأفضل
فالأفضل، ويتفرغ من ذلك إلى فعل الخيرات، وتلك الخيل خيل الله وخيل
المسلمين وعدة للإسلام، ولا ذنب لها تعاقب عليه، إنما كأن يكون الذنب عليه لو
تعمد إفاتتها؛ أعني: الصلاة، فلم يتعمد ذلك، بل نسيها فلا ذنب عليه ولا عليها،
فقتل الخيل على هذا من العبث، والحمد لله رب العالمين.
وقد رُئي محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يمسح بثوبه وجه فرس وعنقه، فقيل له في
ذلك فقال:"إني عوتبت الليلة على الخيل".
وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - جريًا منه على ذلك السنن، وإنما الذميم من الفعل لو ترك ما كان
عليه من فعل الخير وأهلكها، يدل على ذلك قصة يونس - عليه السلام - لما لم يتيسر له من
عمل كلفه ربه بما يرضى ترك عمله، وفرَّ إلى الفلك المشحون فركبه نادًّا على
وجهه، فحبسه الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه في بطن الحوت وسماه: آبقًا ومليمًا.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ...)
إلى آخر القصة.