ثم قال جل وتعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا
خَالِدِينَ (8) . فأعلم العليم الحكيم بالحق - جلَّ جلالُه - أن ما يقال له: جسدًا، إنه لا
يأكل الطعام، وإنه خالد، يعني: إلى يوم الدين، والجن الذين هم الشياطين يأكلون
الطعام، ويشربون وينكحون، ولهم أزواج وأولاد، ليسوا بخالدين إلى يوم الدين،
غير إبليس لعنه الله.
وقال الله جل قوله: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) لو كان شيطانًا لما
وصف الله نفسه بأنه ألقاه، ولتنزه جل وتعالى عن ذلك، ولما كان من إلقاء الله - جلَّ جلالُه -
كان ملكًا بحكم من أمر الله، ويستن بسنن سُلَيْمَان، عليهما السَّلام.
كذلك قالوا أيضًا فيه لقول الله - جلَّ جلالُه -: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ
أَوَّابٌ (30) .
ثم ذكر من أوبته وسرعة توبته، ثم (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ(31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)
قالوا: إنه قطع أعناقها وسوقها، وليس كذلك.
قال الله - جلَّ جلالُه - وذكر سُلَيْمَان وداوود - عليهما السَّلام - وداوود وذي الكفل، وعمَّ
جميع الأنبياء والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين - ثم ذكر جل ذكره إخوانهم
وآبائهم وذرياتهم ومن اجتباه الله، وهداه إلى قوله:(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
اقْتَدِهْ)وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الخندق وقد شغله أهل الأحزاب
بالقتال عن صلاة العصر، فلم يذكرها نسيانًا لها وشغلاً عنها بما كان فيه المسلمون
معه - صلى الله عليه وسلم - ، ولما تحاجز القوم بعد مغيب الشمس ذكر عمر - رضي الله عنه - فقال: والله يا رسول الله
إني لم أصلِّ العصر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"وأنا ما صليتها بعد، شغلونا عن الصلاة"
الوسطى ملأ الله قبورهم - أو قال:"قلوبهم"- نارًا"ثم قام - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى بهم العصر"
ثم صلى المغرب، وبقي على نية جهاد عدوه إلى أن فرغ.