وفصل القول في ذلك إن شاء الله - جلَّ جلالُه - ، فهو يقول الحق وهو يهدي السبيل: أن
سُلَيْمَان - عليه السلام - هو نبي الله ورسوله، والرسل - صلوات الله عليهم - معصمون فيما
طريقه التبليغ من الله جلَّ ذكره إلى عباده، والسحر ليس من الله جل وتعالى في
شيء ؛ لأنه رجس وكفر وفسق، وكذلك ما ذكروه أنه لما ذهب عنه خاتمه كما
زعموا خلفه على كرسيه شيطان يحكم بحكمه طول غيبته التي ذكروها.
قالوا: وكان تخلفه مع ذلك في أهله لا ينكره الناس، ولأهله شيء من ذلك،
ومثل هذا لا يصح، بل هو الكذب المفحش، ونساء الأنبياء معصومات، والله جل
وتعالى أكرم من أن يترك نبيه - عليه السَّلام - إلى هذه النقيصة.
فصل القول في ذلك: قوله - جلَّ جلالُه -: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(30)
وقال: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) .
ووراثات الأنبياء - عليهم السلام - النبوة والعلم والحكمة وما هذا سبيله،
ووهبه الله لداوود - عليهما السلام - نبيًّا كما وهب هارون لموسى ويحيى لزكريا
نبيًّا.
وقال الله - عز وجل -: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) وأقرب ما يكون المعبر عنه بذكر
الفتنة الذنب، وذلك ليس بمنكر، الله أعلم بذلك غير أنه قد زكاه الزكي بقوله الحق:
(نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وسيأتي ذكر هذا.
وقال: (ثُمَّ أَنَابَ) والمعهود من الله جلَّ ذكره أن رحمته أقرب ما
يكون من العبد إثر بلية الذنب وإعقابه الندم والتوبة، كذلك في كثير من قصصه من
ذكر الأنبياء سواه، وربما أتى هذا مبينًا في أولى المواضع به إن شاء الله.
وقال عز من قائل: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) لا يقال في حقيقة
حق الخطاب في الشيطان إنه جسد، إنما يصفه بذلك من لا يعقل حق الخطاب، ولا
وقف منه على سر المراد.
قال الله - جلَّ جلالُه - ، وذكر أنه لم يرسل إلى أهل الأرض رسولاً إلا من البشر لا ملكًا:
(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(7) .