معجزًا جعله آية على ملك أهل الجنة لم يؤته أَحدا من بعده فكان يستسخر الجن
ويلزمهم السجون، ويأخذ على بعضهم المواثيق على ألا يطغوا بالإنس، ويقتل
البعض منهم، وينفي البعض إلى أطراف الأرض وجزائر البحور، ويلزم البعض
وظائف السخرة ليشغلهم بذلك عن الإضرار، وليبقي الله - جلَّ جلالُه - نفع ذلك لعباده.
كان كذلك إلى أن توفي - عليه السلام - قالوا: وكان من حيث يرونه لا يصلون إلى مكانه
ذلك مدة من الزمان قائمًا على منسأته مدة من الزمان إلى أن بعث الله دابة الأرض
إلى منسأته، فعملت فيها حتى وهت فخرَّ، فعلموا بذلك أنه ميت، فتفرقوا وأراحوا
أنفسهم مما كانوا فيه من العذاب، بنحو هذا ذكر المفسرون والله أعلم بصحة ما
قالوه.
والمراد من الحديث في القرآن وسياق معناه: إعلام الله عباده بأن الجن لا
يعلمون الغيب، والذي يمكن كونه من ذلك أنه توفي - عليه السلام - واستمرت السخرة
والعذاب عليهم، وخفي عليهم موته حتى دلهم على موته المنسأة قد قطعتها دابة
الأرض.
يقول الله - جلَّ جلالُه -: (فَلَمَّا خَرَّ) يمكن أن يكون المعنى بذلك الأمر القائم
الذي كانوا يلتزمون السخرة بعد الوفاة من أجله، ويمكن أن يكون خرَّ هو ميتًا كما
ذكروا، والله عليم حكيم.
فالأظهر - والله أعلم - أن ذلك كان لهم علامة جعلها لهم؛ ليتصل بهم كمال
السخرة، وكيف كأن يكون هذا القائم - عليه السلام - ومن سنة المرسلين التدافن، فلما خرَّ
ذلك العلم استدلوا بذلك على موته - عليه السلام - بل كان شأن ملكه ظاهرًا قائمًا كما تركه
حتى خرَّ كناية عن انهدامه لأمر، وخلاف خلف على ما سيأتي ذكره إن شاء الله
تعالى.
(فصل)
ولما كان ذلك ادعت الشَّيَاطِين أن ملكه - عليه السَّلام - كان سحرًا ليسوغوه عند الناس،
وأنه - أعني: السحر - معمول به، ومن فعل نبي من الأنبياء، وأشاعوا على ألسنة
الناس وكثير من الغافلين أنه كان مجموع ذلك في خاتم له، وزوَّروا في ذلك أقوالاً
غير صائبة الله أعلم بما هو الحق منها، غير أنها ليست بمتأصلة ولا متصلة بوجه
ظاهر من الحق، والتحرج يمنع من استيفاء محاكاة أمرهم واستعراض أكثر أقوالهم.