وأيضاً النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر ، فلا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه لما أن قلبه مشغول بشيء آخر ، وكذا الناظر فِي المرآة ربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستوٍ أم لا ، فلا يرى شيئاً مما فِي المرآة . فالمشعوذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه ، حتى إذا استقر بهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه ، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة فيبقى ذلك العمل خفياً لتعاون الشيئين اشتغالهم بالأول وسرعة إتيانه بالثاني . ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية ، أو لضروب الخيلاء كفارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر ، ومنه الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان ، وقد يصورونها ضاحكة أو باكية . وقد يفرق بين ضحك السرور وضحك الخجل ، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال وهذا لا يعد من السحر عرفاً ، لأن لها أسباباً معلومة يقينية . ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار ، ومنها تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن ينقادون له فِي أكثر الأمور ، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف القلب قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل فِي قلبه نوع من الرعب ، وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء . وإن من جرب الأمور وعرف أحوال الناس علم أن لتعليق القلب أثراً عظيماً فِي تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار . ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع فِي الناس . فهذه جملة الكلام فِي أقسام السحر ، وعند المسلمين كلها مستندة إلى قدرة الله ، فإنه لا يمنتع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة . واتفقوا على أن العلم به ليس بقبيح ولا محظور ، لأن العلم لذاته شريف ولعموم