قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْتَ، وَلَكِنَّهُمْ نُهُوا عَنْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانَ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ الرَّجُلَ قَتْلُ نَفْسِهِ، إِذْ كَانَتْ مِلَّتُهُمَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} أَيْ لَا يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنْكُمُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ، فَيُقَادُ بِهِ قِصَاصًا، فَيَكُونَ بِذَلِكَ قَاتِلًا نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الَّذِي سَبَّبَ لِنَفْسِهِ مَا اسْتَحَقَّتْ بِهِ الْقَتْلَ، فَأُضِيفَ بِذَلِكَ إِلَيْهِ قَتْلُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ إِيَّاهُ قِصَاصًا بِوَلِيِّهِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَرْكَبُ فِعْلًا مِنَ الْأَفْعَالِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ فَيُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ: أَنْتَ جَنَيْتَ هَذَا عَلَى نَفْسِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْنَا عَلَيْكُمْ {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ هِجْرَتِهِ إِلَيْهِ مُؤَنِّبًا لَهُمْ عَلَى تَضْيِيعِ أَحْكَامِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي كَانُوا يُقِرُّونَ بِحُكْمِهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ}