يَعْنِي بِذَلِكَ إِقْرَارَ أَوَائِلِكُمْ وَسَلَفِكُمْ {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} عَلَى إِقْرَارِكُمْ بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ، بِأَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ، وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَيُصَدِّقُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْهِمْ. وَمِمَّنْ حُكِيَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَوَائِلِهِمْ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْرَجَ الْخَبَرَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ مَخْرَجَ الْمُخَاطَبَةِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَصَفْنَا فِي سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ نَظَائِرُهَا الَّتِي قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَهَا فِيمَا مَضَى.
وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} عَلَى مَعْنَى: وَأَنْتُمْ شُهُودٌ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} خَبَرًا عَنْ أَسْلَافِهِمْ، وَدَاخِلًا فِيهِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْهُمُ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} خَبَرًا عَنْ أَسْلَافِهِمْ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى سَبِيلِ مَا قَدْ بَيَّنَهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ، فَأَلْزَمَ جَمِيعَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ مِثْلَ الَّذِي أَلْزَمَ مِنْهُ مَنْ كَانَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى مِنْهُمْ.