وموضع {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} رفع على أنه خبر الابتداء. وأما احتمال الكلام أن يكون فيه جملتان كلتاهما مقسم عليهما:
فالأولى منهما أيضًا: قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} ، والأخرى المقسم عليها: قوله: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ، وذلك أن تجعل (من) شرطًا في قوله: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} ولا تجعله بمنزلة الذي. وتجعل قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} بمنزلة القسم؛ لأن العلم قد يقام مقام القسم، في مثل قولك: علمت ليفعلنّ كذا، وفي مثل قول الشاعر:
ولقد علمتُ لتأتينّ عَشِيّةٌ ... لا بعدها خوفٌ عليّ ولا عَدَمْ
قال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتينّ عَشِيَّة، فحمل (علمت) في البيت على معنى اليمين. فمن حيث استعمل استعمال القسم صلح أن يكون له جواب، كما يكون للقسم، وساغ أن يكون النفي جوابًا له في الآية.
فإن قيل: على هذا إذا قلتم: إن قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} مقسم عليه، وجوزتم أن يكون هو في نفسه قسمًا، فكأنه قسم قد دخل على قسم، ويبعد ذلك عند سيبويه، فإن سيبويه والخليل قالا: لا يقوى أن يقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلن، والواو الآخرة واوُ قَسم لا يجوز إلا مستكرهًا؛ لأنّه لا يجوز هذا في محلوف عليه، إلا أن تضم الآخر إلى الأوّل، وتحلف بهما على المحلوف عليه.
ولهذا جعل هو والخليل الحرف في قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1 - 2] إنه للعطف. معنى ضم الآخر إلى الأوّل، أي: يضم إليه بحرف العطف دون القسم، قلنا: هذا على ما ذكرت، ولكن قوله: {وَلَقَد عَلِمُوا} أقيم مقام القسم، وليس كالمختصِّ بالقسم التي لا معنى لها غيره، نحو لعمرُك لأفعلنّ، وبالله ليقومنّ، فليس يدخل على هذا قسم على قسم على الحقيقة، إنما يدخل على شيء أقيم مقام القسم، وأصله غير ذلك، والأول هو الوجه الواضح.
قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله.
وقوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} إن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} .