وَالْفِتْنَةُ: الْعَذَابُ ، فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} فَلَمَّا كَانَ الْمَلَكَانِ يُظْهِرَانِ حَقِيقَةَ السِّحْرِ وَمَعْنَاهُ قَالَا {إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} وَقَالَ قَتَادَةُ: {إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} : بَلَاءٌ وَهَذَا سَائِغٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلَهُ فِتْنَةٌ لِمَنْ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ لِيَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ: إنَّا فِتْنَةٌ وَبَلَاءٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي الشَّرِّ وَلَا يُؤْمَنُ وُقُوعُهُ فِيهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِحْنَةً كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَقَوْلُهُمَا: {فَلَا تَكْفُرْ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَ السِّحْرِ كُفْرٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يُعَلِّمَانِهِ إيَّاهُ لِئَلَّا يَعْمَلَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَّمَاهُ مَا السِّحْرُ وَكَيْفَ الِاحْتِيَالُ لِيَتَجَنَّبَهُ ، وَلِئَلَّا يُتِمُّوهُ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلَال بِهَا.
وقَوْله تَعَالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} يَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْمَلَ بِهِ السَّامِعُ فَيَكْفُرُ فَيَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً بِالرِّدَّةِ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا بِالنَّمِيمَةِ وَالْوِشَايَةِ وَالْبَلَاغَاتِ الْكَاذِبَةِ وَالْإِغْرَاءِ وَالْإِفْسَادِ وَتَمْوِيهِ الْبَاطِلِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ حَقٌّ فَيُفَارِقَهَا.