وأما إذا جاءت بعدها الجملة ، فتارة تكون بالواو ، وتارة لا يكون معها الواو ، كما قال زهير:
إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره ...
لكن وقائعه فِي الحرب تنتظر
وأما ما يوجد فِي كتب النحويين من قولهم: ما قام زيد لكن عمرو ، وما ضربت زيداً لكن عمراً ، وما مررت بزيد لكن عمرو ، فهو من تمثيلهم ، لا أنه مسموع من العرب.
ومن غريب ما قيل فِي لكن: إنها مركبة من كلم ثلاث: لا للنفي ، والكاف للخطاب ، وأن التي للإثبات والتحقيق ، وأن الهمزة حذفت للاستثقال ، وهذا قول فاسد ، والصحيح أنها بسيطة.
{يعلمون الناس السحر} : الضمير فِي يعلمون اختلف فِي من يعود عليه ، فالظاهر أنه يعود على الشياطين ، يقصدون به إغواءهم وإضلالهم ، وهو اختيار الزمخشري.
وعلى هذا تكون الجملة فِي موضع الحال من الضمير فِي كفروا.
قالوا: أو خبراً ثانياً.
وقيل: حال من الشياطين.
ورد بأن لكن لا تعمل فِي الحال ، وقيل: بدل من كفروا ، بدل الفعل من الفعل ، لأن تعليم الشياطين السحر كفر فِي المعنى.
والظاهر أنه استئناف إخبار عنهم.
وقيل: الضمير عائد على الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين.
على اختلاف المفسرين فيمن يعود عليه ضمير اتبعوا ، فيكون المعنى: يعلم المتبعون ما تتلو الشياطين الناس ، فالناس معلمون للمتبعين.
وعلى القول الأول يكونون معلمين للشياطين.
واختلف فِي حقيقة السحر على أقوال: الأول: أنه قلب الأعيان واختراعها وتغيير صور الناس مما يشبه المعجزات والكرامات ، كالطيران وقطع المسافات فِي ليلة.
الثاني: أنه خدع ومخاريق وتمويهات وشعوذة لا حقيقة لها ، ويدل عليه ، {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} وفي الحديث ، حين سحر لبيد بن الأعصم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله".
وهو قول المعتزلة: يرون أن السحر ليست له حقيقة ، ووافقهم أبو إسحاق الاسترأباذي من الشافعية.