وفي ذلك دليل على صحة نفي الشيء عمن لا يمكن أن يقع منه ، لأنّ النبي لا يمكن أن يقع منه الكفر ، ولا يدل هذا على أن ما نسبوه إلى سليمان من السحر يكون كفراً ، إذ يحتمل أنهم نسبوا إليه الكفر مع السحر.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر سليمان فِي الأنبياء قال بعض اليهود: انظروا إلى محمد يذكر سليمان فِي الأنبياء ، وما كان إلا ساحراً.
ولم يتقدّم فِي الآيات أن أحداً نسب سليمان إلى الكفر ، ولكنها آية نزلت فِي السبب المتقدّم أن اليهود نسبته إلى السحر والعمل به.
{ولكن الشيطان كفروا} : كفرهم ، إما بتعليم السحر ، وإما تعلمهم به ، وإما بتكفيرهم سليمان به ، ويحتمل أن يكون كفرهم بغير ذلك.
واستعمال لكن هنا حسن ، لأنها بين نفي وإثبات.
وقرئ: ولكنّ بالتشديد ، فيجب إعمالها ، وهي قراءة نافع وعاصم وابن كثير وأبي عمرو.
وقرئ: بتخفيف النون ورفع ما بعدها بالابتداء والخبر ، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي.
وإذا خففت ، فهل يجوز إعمالها ؟ مسألة خلاف الجمهور على المنع ونقل أبو القاسم بن الرماك عن يونس جواز إعمالها ، ونقل ذلك غيره عن الأخفش ، والصحيح المنع.
وقال الكسائي والفراء: الاختيار ، التشديد إذا كان قبلها واو ، والتخفيف إذا لم يكن معها واو ، وذلك لأنها مخففة تكون عاطفة ولا تحتاج إلى واو معها.
كبل: فإذا كانت قبلها واو لم تشبه بل ، لأن بل لا تدخل عليها الواو ، فإذا كانت لكن مشدّدة عملت عمل إن ، ولم تكن عاطفة.
انتهى الكلام.
وهذا كله على تسليم أن لكن تكون عاطفة ، وهي مسألة خلاف الجمهور على أن لكنّ تكون عاطفة.
وذهب يونس إلى أنها لبيست من حروف العطف ، وهو الصحيح لأنه لا يحفظ ذلك من لسان العرب ، بل إذا جاء بعدها ما يوهم العطف ، كانت مقرونة بالواو كقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله}