وثَمّ روايات متنوعات ساقها ابن كثير فِي تفسيره ، لا نطوّل كتابنا بسردها ، ومرجعها واحد . فإن قيل: بين رواية البخاريّ الأولى وما بعدها تناف ! . فالجواب: لا منافاة ؛ لأن قراءته صلى الله عليه وسلم لها فِي محاورة عبد الله بن سلام ، ردّاً لقول اليهود ، لا يستلزم نزولها حينئذ . فإن المعتمد فِي سبب نزولها غير قصة عبد الله بن سلام مما سلف من الروايات . فإن طرقها يقوي بعضها بعضاً ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عبد الله بن سلام: إن جبريل عدو لليهود ، تلا عليه الآية ، مذكّراً له سبب نزولها كذا قاله الحافظ ابن حجر فِي الفتح .
وقد أشار إلى ذلك السيوطي فِي"الإتقان"حيث قال:
تنبيه: قد يكون فِي إحدى القصتين ،"فتلا"فَيَهِمُ الراوي ، فيقول: فينزل . وقال العلامة ولي الله الدهلويّ قدس سره فِي كتابه"أصول التفسير"وقد تحقق عند الفقير أن الصحابة والتابعين كثيراً ما كانوا يقولون: نزلت الآية فِي كذا وكذا ، وكأن غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية ، وذِكْرَ بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها ، سواء تقدمت القصة أو تأخرت ، إسرائيلياً كان ذلك أو جاهلياً أو إسلامياً ، استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها ، والله أعلم .
فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد فِي هذا القسم مدخلاً ، وللقصص المتعددة هنالك سعة . فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية . انتهى .
وقوله تعالى: {لجبريل} قرئ فِي السبع بكسر الجيم والراء بلا همز ، وبفتح الجيم بدونها أيضاً ، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة ثم ياء وبدونها . قال ابن جنيّ: العرب إذا نطقت بالأعجميّ خلطت فيه .