وبارك لآخر فِي قليل شعير وأمره أن لا يكيله، فلم يزل ينفق منه على نفسه وامرأته وضيفه حتى كاله فنفي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم"وكان نحو ذلك لعائشة رضي الله عنها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذا لأم مالك رضي الله عنها فِي عكة سمن لم تزل تقيم لها أدمها حتى عصرتها.
ومثل ذلك كثير فِي دلائل النبوة للبيهقي وغيره.
وقيل لكم {وكلوا} ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله {من طيبات} جمع طيبة.
قال الحرالي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيّبه من سوى الأكل له أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب فِي المذاق وهو الذي لا ينازعه تكره فِي طعمه، وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث ولا معاملة مع خلق - انتهى.
{ما رزقناكم} أي على عظمتنا التي لا تضاهى.
ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب.
وقال الحرالي: ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه - انتهى.
فقال {وما} أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها وما {ظلمونا} بشيء من ذلك {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعاً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون} لأن ضرر ذلك مقصور عليهم.
قال الحرالي: وفيه إشعار بتحذير هؤلاء أن يروا نحواً مما رأوا فينالهم نحو مما نالوه، لأن قصص القرآن ليس مقصوده مقصوراً على ذكر الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة فِي أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 138 - 140}