وذهبت طائفةٌ أُخرى من المحقِّقين إلى أنّ عصمتهم من الصّغائر كعصمتهم من الكبائر.
واحتجَّ قومٌ بقول ابنِ عبّاس وغيره [1] ؛ إنّ كلَّ ما عُصِي اللهُ بِهِ فهو كبيرةٌ [2] ، وإنّما سَمَّى [3] منها [4] الصّغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها. ومخالفة البارئ تعالى في أيِّ نَوعٍ [5] ، كان يجب كَونُه كبيرةً [6] ، وهذا [7] مَعْنًى أشكل على النَّاس معرفة الكبائر من الصّغائر.
وقال القاضي أبو محمدً عبد الوهّاب: لا يمكن أنّ يقال: إنّ في [8] معاصي الله صغيرةً، إلَّا على معنى أنّها تُغْفَر باجتناب الكبائر، ولا يكونُ لهم كذلك في العَفْوِ سواء [9] ، وهو أيضًا قولُ القاضي أبي بكرٍ وجماعةٍ من الأشعريّة ومن الفقهاءِ والأيمّة.
وقال بعضُ علمائنا: ولا يجبُ على القَولَيْن أنّ يُختَلَفَ أنّهم معصومونَ عن تَكرَارِ الصّغائر وكَثْرَتها، إذ يُلحِقُها ذلك بالكبائر، ولا صغيرة إذا زَالتِ الخشيةُ [10] وأسقطتِ المروءة وأوجبتِ الإزْراء. وهذا ممّا يُعْصَمُ عنه الأنبياءُ إجماعًا؛ لأنّ مثل هذا يَحُطُّ مَنصِبَ المتَّسِمَ به [11] .
وذهب بعضهم -من الأيمّة- إلى عصمتهم من مُوَاقَعَةِ المكروه قَصْدًا [12] .
(1) م:"وقوله".
(2) أخرجه الطّبريّ في تفسيره: 5/ 40، والبيهقي في سُنَنِه: 1/ 273.
(3) غ، جـ:"تُسَمَّى".
(4) م:"منه"
(5) في الشِّفا:"أمر".
(6) "أي من حيث أنّه مخالفة لصاحب الكبرياء والعظمة، وإلّا فلا شُبْهَةَ في تَفَاوُتِ مراتب المخالفة"قاله ملا علي القاري في شرحه علىٍ الشفا: 2/ 586 (ط. سنة 1264 هـ) .
(7) البارة التالية من زيادات المؤلِّف على نصِّ الشِّفا.
(8) "في"زيادة من الشفا، لا يستقيم الكلام بدونها.
(9) كذا في النّسخ، والعبارة مضطربة، ونصُّ الشِّفا هو:"ولا يكون لها حكم مع ذلك، بخلاف الكبائر، إذا لم يتب منها فلا يحبطها شيء، والمشيئة في العفو عنها إلى الله".
(10) الّذي في الشِّفا:"ولا في صغيرة أدّت إلى إزالةِ الحِشمَة".
(11) في النّسخ:"البشرية"والظّاهر أنّه تصحيف، والمثبت من الشِّفا.
(12) نرى من المستحسن إتمام السّلام كلما هو في الشِّفا، حتّى يمكن فهم اللاحق من الكلام، يقول عياض رحمه الله:"وقد استدلّ بعض الأيمّة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم واتّباع أثارهم وسيرهم مطلقًا". =