لفاتحة الكتاب؛ لأنّ الذّاتيّة في الكُلِّ واحدةٌ وهي كلامُ الله [1] .
الوجه الثّاني: أنّ الشيءَ قد يشرُفُ بصفاته، وذلك للبارىء على الحقيقة [2] والإطلاق دون سائر المخلوقات: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [3] وفي الفاتحة شيءٌ من هذا الشَّرَفِ، وبه شرف النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - على سائر الآدميِّينَ؛ لأنّ الذَّاتَ له ولهم واحدةٌ، وإنمّا يشرفُ بالصّفات وهي متعدّدةٌ وقعتِ الإشارةُ إلى فَضْلِهَا في قوله: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} الآية [4] ، ووقعَ التّنبيه على جميعها في قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [5] .
وفي الفاتحة من الصّفات ما ليس لغيرها، حتّى قيل: إنّ جميع القرآن فيها، وهي خمسة وعشرون [6] كلمة تضمَّنَت جميع علوم القرآن، ومن شَرَفِهَا أنّ الله تعالى قسمها بَينَهُ وبين عَبْدِهِ، وهو الوجه الثّالث.
الوجه الرّابع: أنّه لا تَصِحُّ القراءة [7] إلَّا بها.
الخامس: أنّه لا يلحق ثوابُ عملِ بثوابها [8] ، والله عَزَّ وَجَلَّ يفاضلُ بين الثّواب في الفِعْلَينِ وإن اسْتَوَيَا.
وبهذه المعاني كلّها صارت القرآنَ العظيم، كما صارت {قُلْ هوَ اَلله أحدٌ} تعدل ثُلُث القرآن [9] ، إذِ القرآنُ توحيدٌ وأحكامٌ وَوَعْظٌ و {قُلْ هوَ اَلله أحدٌ} [10] فيها التوحيد كلّه. وبهذه المعاني وقع البيان في قوله - صلّى الله عليه وسلم - لأبَّىِّ بن كعبٍ:"أيُّ آيةِ في القرآنِ"
(1) م:"في كلّ واحد في كلام الله"، غ:"في كلّ واحدةٍ وهي كلام الله"، جـ: (في كلّ واحد وهي كلام الله"والمثبت من القبس."
(2) م، جـ:"الخليقة".
(3) الشورى: 11.
(4) الكهف: 110.
(5) القلم:4.
(6) غ، جـ، القبس:"وهي عشرون"والمثبت من"م"وهو الموافق لأبي عمرو الداني في كتابه البيان في
عدِّ آي القرآن: 139، يقول رحمه الله:"وكَلِمُهَا خمس وعشرون كلمة ... وحروفها مئة وعشرون حرفًا".
(7) في النسخ:"القُرْبة"والمثبت من القبس، ومعرفة قانون التّأويل: لوحة 18/ أنسخة الأوسكريال.
(8) م، جـ:"أنّه لا يلحق عمل ثوابها"وفي القبس:"أنّه لا يلحق ثواب عملها بثوابها". والمثبت من القبس [ط. الأزهري] .
(9) كما ثبت في الحديث الّذي رواه البخاريّ (5013) ، ومسلم (811، 812) عن أبي الدرداء وأبي هريرة.
(10) الإخلاص: 1.