القول الأوّل - قال قوم: هو على الوُجوبِ.
والقول الثّاني - قال قوم: إنه على الاستحباب والنَّدبِ. واحتجُّوا بما رواه مسلم [1] وانفرد به، قال: كان النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، فسمع مناديًا ينادِي وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله - صلّى الله عليه وسلم:"على الفطرة"، فقال: أشهدُ أنّ لا إله إلا الله. فقال رسول الله:"خَرَجَ من النارِ"، فابْتَدرناه، فإذا هو صاحب ماشية أَدْرَكَتْهُ الصَّلاة فَصلَّى.
قال علماؤنا: فيِ هذا نكْتَةٌ بديعةٌ، فقالوا: هذا رسولُ الله يقولُ بخلافِ ما يقولُ المؤذِّن، فأين قوله:"فقُولُوا مثلَ ما يقولُ المؤذِّن"فيخرج من هذا أنّه على النَّدْب لا على الإيجاب.
وقالت طائفةُ: يقول الرَّجُل مثل ما يقول المؤذِّن، وحملوا الحديثَ على ظاهِرِه وعُمُومِه. وقالت طائفة أخرى: إنّما يقول ذلك في الشّهادتين، ويقول في موضع: حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله. على ما جاء في حديث معاوية [2] ، قالوا: وهذا مُفَسِّرٌ لحديث أبي سعيد؛ لأنَّ معاوية كان إذا سمع"حيّ على الصّلاة"قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله العَلِىِّ العظيم.
فتأوّل علماؤنا في ذلك تأويلين:
الأوّل: أنّه إنّما كان يقول ذلك لأنَّ"لا حَوْلَ ولا قُوَةَ إلَّا بالله"هي مفتاحٌ من مفاتِح الجنَّة.
والتأويل الثّاني: أنّ معنى"حى على الصّلاة"أنّه ليس في حَوْلي ولا قُوَّتي الإتيان إلى ما يدعو إليه [3] هذا العبد، إلَّا بحَوْلكَ وقُوَّتك، وأنّ ذلك ليس من حَوْلِي ولا قوّتي، وهذا بديعٌ جدًّا.
وقال مالك: إنّما ذلك فيما يقعُ في نفسي إلى قوله أشهدُ أنّ محمدًا رسول الله،
(1) عزو المؤلَّف هذا الحديث إلى مسلم فيه نظر، فالحديث أخرجه أحمد: 1/ 406، والطحاوي في شرح
معاني الآثار: 1/ 146، وأبو يعلى (5400) ، والطبراني في الدُّعاء (465) ، والبيهقي: 1/ 405 من
حديث عبد الله بن مسعود. يقول الهيثمي في المجمع: 1/ 334"ورجال أحمد رجال الصّحيح".
(2) الّذي أخرجه البخاريّ (914) . وانظر شرح ابن بطّال: 2/ 239 - 240.
(3) غ:"به".