وصَحَّحُوا الآثار الواردة بالأمر بالوضوء من مسِّ الذكَر، وضعَّفُوا حديثَ طَلق بن عليّ.
ومنهم من جعله منسوخًا بحديث بُسرَة [1] ، واستدَلَّ على نسخِهِ بإيجاب الوضوء من مسِّه إذ ذلك من جهة الشَّرع. وقوله:"هل هو إلَّا بَضعَةٌ مِنْك" [2] حجّةٌ عقليّة، فجازَ أنّ يُنسخَ ما في العقل بالشَّرع، ولا يصحّ أنّ يُنسخ الشَّرعُ بما في العقل.
ومن العلماء من تأوّله فقال: ليس فيه نصٌّ لإسقاط الوضوء.
ومنهم من ذهب إلى أنّ لا وضوءَ من مسِّ الذَّكَر جملةً من غير تفصيلٍ، وهم أهل العراق [3] ، وصحّحُوا حديث طلق، وضَعَّفُوا الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء منه [4] .
تحقيق [5] :
قال الإمام الحافظ: ولأجل هذه الاختلافات أعرض الإمامان مسلمٌ والبخاري عن حديث بُسرَة ولم يُخرِجاه، والعَجَبُ لإمامنا مالكٌ - رضي الله عنه - أنّه يرويه في كتابه وُيقَوِّيه، فتارةً يَعتَبِرُ فيه الشَّهوةَ، وتارةً يُسقِطُها [6] ، ونحن نقبلُ روايتهُ فنقولُ: الحديث الصّحيحُ أوَّلًا، ولا نقبلُ تفريعه، فنقول: ينتقض الوضوء بمسِّه بقصدٍ أو بغير قصدٍ، اتِّباعًا لظاهر الحديث، ونأخذ بمُطلَقِ الرِّواية فيه، وفروعه معلومة فلا معنى لسردها. بَيدَ أنَّ بعضَ شيوخي ذَكَرَ لي منه فَرعًا غريبًا، وهو: إذا مسِّ الخُنْثَى ذكرَهُ وفَرجَهُ انتقضَ وُضُوؤُه، فإذا مسَّ أحدَهما- وقلنا إنّ المرأة ينتقضُ وضوؤها بمسِّ فرجها - فمن يغلِّب الشّكّ ينقض الوضوء، لاحتمال أنّ يكون قد لمَسَ ما يجبُ عليه منه الوضوء، ومن لا يرى تغليب الشَّكِّ -وهو صحيحٌ- لا يَنقُضُ الوضوءَ إلَّا بمسِّه لهما جميعًا.
(1) انظر ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين: 97 - 100.
(2) سبق تخريجه في الصفحة السابقة، التعليق:.11
(3) انظر كتاب الأصل: ا/64، ومختصر اختلاف العلماء: 1/ 163.
(4) انظر نصب الراية للزيلعي: 1/ 61.
(5) انظره في القبس: 1/ 163 - 164.
(6) يقول المؤلِّف في العارضة: 1/ 114"هذا الباب عظيم القَدْرِ في الدِّين، اختلف فيه الصّحابة والتّابعون والفقهاء إلى الآن، ورواه مالك فأتقنه وصحّحه، ثم ضعّفه في الفتوى أو أسقطه".