وقال القاضي أبو الوليد [1] : الّذي عندي فيه أنّه منسوخ بقوله:"لَا عَدْوَى".
قلنا [2] : قوله:"لا عَدْوَى"إنَّ كان بمَعْنَى الخَبَرِ والتَّكذيب بقول من يعتقد العدوى، فلا يكون ناسخًا. وإنَّ كان بمعنى النّهي، يريد: ألَّا تكرهوا دخول البعير الجُرْبِ بين إبِلكم غير الجَرِبَةِ، ولا تمتنعوا ذلك ولا تمنعوا منه؛ فإنّا لا نعلم أيّهما قال أوّلًا. وإن تعلّقنا بالظّاهر فقوله - صلّى الله عليه وسلم:"لَا عَدْوَى"ورد في أوّل الحديث، فمحال أنّ يكون ناسخًا لما وردَ بعدَهُ، أو لِمَا لا يُدْرَى ورد قبله أو بعده؛ لأنّ النّاسخ إنّما يكون ناسخًا لحُكمٍ قد ثبت قبلَهُ.
وقوله:"لَا عدْوَى"إنّما نَفَى به أنّ يكون لمجاورة المريض تأثير في مرض الصّحيح، فإنّ ذلك من فعل البارىء سبحانه ابتداءً، كما فعَلَهُ في الأوّل ابتداءً، وأنّ قوله:"لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ" [3] ليس من هذا المعنى، والله أعلم، ولكنه يحتمل معنيين:
أحدُهما: المنع من ذلك؛ لما فيه من الأذى على ظاهر الحديث، هالى هذا ذهَبَ يحيى بن يحيى.
والثَّاني: أنّ يكونَ البارىءُ تبارك وتعالى قد أجرى العادةَ بذلك، وإن كان البارىء هو الخالق للمرض والصِّحَّة، ولا يُؤَثِّرُ شيءٌ في شيءٍ.
(1) في المنتقى:"قال عيسى بن دينار"وهو الصواب الّذي يناسب السِّياق، وانظر إكمال المعلم: 7/ 141.
(2) القائل هنا هو الباجي، وعبارة المنتقى هي:"قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه: وهذا الّذي قاله عيسى بن دينار فيه نظر".
(3) يقول المؤلِّف في العارضة: 8/ 313"كذلك هو، والمعنى فيه النّهي عن إدخال التوهُّم والمحظور على النَّاس باعتقاد وقوع العَدْوى عليهم بدخول البعير الأجرب فيهم، والفرار عن الأسباب الّتي تجلب على العبد هذا قولًا أو فعلًا".