الأنباري [1] : وبعضُ العرَبِ يُذَكِّرُها، فيحتَمِلُ أنّ يكونَ ذلك على تلك اللّغةِ، والله أعلم.
الفوائد:
الفائدةُ الأولى:
قوله:"لا تَحْقِرَنَّ إحداكُنَّ لصاحبتها ولو ظِلْفًا مُحْرَقًا"وإنّما ضربه النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - مثلًا؛ لأنّ الظِّلْفَ المُحْرق لا يُعْطَى، فدلّ ذلك على أنّ الحديث ليس على ظاهره [2] ، كما قال:"من بني لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنّة" [3] ففي [4] هذا الحديث الحض على فعل الخير، قليلًا كان أو كثيرًا، ويقوِّيهِ الحديث الصّحيح لأبي تميمة الهجيمي، قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - له:"لا تَحْقِرَنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أنّ تَضَعَ من دلْوِكَ في إناءِ المُسْتَقِي" [5] .
وقال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [6] .
ولقد أحسن محمود الوراق في قوله [7] :
افْعَلِ الخيْرَ ما اسْتَطَعْتَ وَإنْ كا ... نَ قَلِيلًا فَلَنْ تُطِيقَ بكُلِّهْ
وَمَتَى تَفْعَلُ الكَثِيرَ مِنَ الخيـ ... رِ إذَا كُنْتَ تَارِكًا لأَقَلِّهْ
(1) في المذكر والمؤنّث: 252، 302.
(2) "ووصفه بكونه محرقا، يحتمل أنّه لتقريب الجنس من الحالة الّتي قصدها المتكلم، وهي الترغيب في الإهداء من طعام أهل البيت كيفما كان، فالمحرق هنا بمعنى المشوي لقصد تقريبه من حالة إمكان أكله"قاله ابن عاشور في كشف المغطى: 354.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة (3155) ، وابن حبّان (1610، 1611) ، وإسحاق بن راهوية (214) ، والبيهقي: 2/ 437، والقضاعي في مسند الشهاب (478) من حديث أبي ذر. قال الهيثمي في المجمع: 2/ 7"رجاله ثقات".
(4) من هنا إلى آخر الفائدةُ مقتبس من الاستذكار: 26/ 317 - 318.
(5) أخرجه ابن المبارك في الزهد (1017) ، والطيالسي (1208) ، وابن الجعد (3100) ، وأحمد: 3/ 482، والبخاري في الأدب المفرد (1182) ، وابن حبّان (521) ، وابن أبي الدنيا في الإخوان (133) ، والطبراني في الكبير (6383) ، والبيهقي في الشعب (6137) .
(6) الزلزلة: 7.
(7) نسبة هذا الشِّعر إلى محمود الورّاق فيها نظر؛ لأنّ ابن عبد البرّ لم ينسبه في الاستذكار ولا في التمهيد: 4/ 295 - 296، وهو لابن أبي النجم كما نصّ على ذلك السلمي في آداب الصحبة: 104، وابن الأبّار في معجمه: 24. وربما تطرق الوهم للمؤلف أو الناسخ كون ابن عبد البرّ أورد في التمهيد عقب هذين البيتين بعض الأشعار لمحمود الورّاق.