وَلَمْ أرَ فَضلًا صَحَّ إِلَّا علَى التُّقَى ... وَلَمْ أَرَ عَقلًا تَمَّ إِلَّا عَلَى أَدَب
وَلَمْ أرَ في الأَعدَاءِ حِينَ خَبَرتُهُم ... عَدُوًّا لِعَقلِ المَرءِ أَعدَى من الغَضَب
الأصول:
الرّجل الّذي جاء إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - فقال:"عَلِّمنِي، وَلَا تُكْثِر عَلَيَّ فَأَنْسَى".
قيل: هو عمّ الأحنف بن قيس [1] ، فقال له النّبيُّ -عليه السّلام-:"لَا تَغضَب" [2] . فجمع له - صلّى الله عليه وسلم - في هذه الكلمة حكمة عظيمة؛ لأنّ الغضبَ من أُمّهات المعاصي، وربّما أيضًا قال له ذلك لأنّه عرفَ أنّ الغضبَ أعظم أسباب المعاصي عنده، والغضبُ نارٌ في النَّفس ولذلك قال -عليه السّلام-:"إذا غضب أحدُكُم وهو قائمٌ فليقعُد، وَإِن كَانَ قَاعِدًا فليضطجع" [3] ، وجاء:"فليغتسل بالماء فإنّه نَارٌ" [4] .
وقال علماؤنا [5] : إنّما نهاه عمّا علم أنَّه هَوَاهُ، وأنّ الغالب عليه الغضب، فتفرَّسَ فيه، وعلم ذلك منه، كما قال لوفد عَبدِ القَيسِ:"لا تشربوا مسكرًا" [6] وتركَ بيانَ سائر المعاصي لما علم أنّ الخّمْرِ هواهم وشهوتهم، وإنّما كان ذلك لأنّ المرء إذا ترك ما يشتهي كان أجدر أنّ يترك ما لا يشتهي، وخصوصًا الغضب، فإنّ من ملك نفسه عنده
(1) هو جارية بن قدامة بن مالك التميمي السعدي يقال له: عم الأحنف، قال ابن حجر في الإصابة: 1/ 218"صحابيّ على الصّحيح".
(2) هذه الرِّواية أخرجها ابن عبد البرّ في التّمهيد: 7/ 246 - 247 من طرق، وأخرجها أحمد: 3/ 484، 5/ 34، 372، والطبراني في الكبير (2093، 2097) ، وانظر مجمع البحرين: 5/ 293.
(3) أخرجه بنحوه أحمد: 5/ 152، وأبو داود (4749، 4750) ، وابن حبّان (5688) من حديث أبي ذر الغفاري، وسند أحمد جَيِّد، كما نصّ على ذلك العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: 3/ 174.
(4) الّذي في سنن أبي داود (4751) قول رسول الله - صلّى الله عليه وسلم:"إنَّ الغضب من الشيطان، وإنَّ الشيطان خُلِق من النّار، وإنّما تطفأ النّار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
يقول المؤلِّف في العارضة: 8/ 177"وأمر النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - مَنْ غضبَ أنّ يضطجع"لأنّ الغضب ثورٌ والاضطجاع سكونٌ، فإن لم يذهب، فأمَرَهُ بالاغتسال فإنّ الماء يطفئ النّار معنى وحسًّا"."
(5) انظر هذه الفقرة في القبس: 3/ 1097.
(6) أخرجه مسلم (977) ولم نجده من قوله - صلّى الله عليه وسلم - بهذا اللّفظ لوفد عبد القيس.