في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [1] يعني: أهل القرية، فكذلك قولُه في أُحُدٌ:"هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"المعنى: يحبُّنا أهلُه يعني الأنصار الساكنين قُربَهُ وكانوا يحبُّون رسولَ الله وُيحبُّهم [2] ؛ لأنّهم آوَوهُ ونصروه وأعانوا على إقامة دِينِهِ.
وقد قيل في المجاز وجهٌ آخر، وذلك أنّه كان -عليه السّلام- يفرحُ باُحُدٍ إذا طلعَ له استبشارًا بالمدينة ومَنْ فيها من أهله وذُرِّيَّتِه، ويحبّ النّظر إليهم ويبتهجُ للأَوبَةِ من سَفَرِه، والتزول على أهله وأَحِبَّتِهِ [3] .
وقوله:"يُحِبُّنَا"أي: لو كان ممَّن تصحُّ منه المحبَّة لأحبنا كما نحبُّه.
وقد قيل [4] : إنَّ محبَّته حقيقة، كما يسبِّحُ كلُّ شيءٍ حقيقة، ولكن لا يفهم ذلك النَّاسُ، وغيرُ نَكيرٍ أنّ يصنع الله محبّةَ رسوله في الجماد وفيما لا يَعقِلُ عقل الآدميين، كما وضع -عَزَّ وَجَلَّ- خشيته في الحجارة، فأخبر أنّ منها ما يهبطُ من خشية الله، وكما وضع في الجِذْعِ محبته -عليه السّلام- حتّى حنَّ إليه حنينَ النّاقةِ إلى ولدها، رواه أنس [5] وجابر [6] وغيرهما [7] ، ومثلُ هذا كثيرٌ.
حديث مالك [8] ، عَنْ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ ابنِ المُسَيبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ
(1) يوسف: 82.
(2) وإلى مل هذا التّأويل ذهب الخطّابي في أعلام الحديث: 2/ 1390.
(3) انظر الاقتضاب في شرح غريب الموطَّأ: 99/ ب- 100/ أ.
(4) انظر هذا القول في إكمال المعلم: 4/ 485 - 486.
(5) أخرجه الدارمي (42) ، والترمذي (3627) وقال:"هذا حديث حسن صحيح غريب"، وابن خزيمة (1777) ، والبيهقي في دلائل النبوة: 2/ 558.
(6) رواه أحمد: 3/ 293، والدارمي (35) ، وأبو يعلى (2177) .
(7) مثل ما رواه الدارمي (37) عن أبي سعيد، ورواه أيضًا أبو يعلى (1067) .
(8) في الموطَّأ (2600) رواية يحيى، ورواه عن مالك: أبو مصعب (1855) ، وابن القاسم (16) ، والقعني عند الجوهري (138) ، وابن مهدي عند أحمد: 2/ 236، والتنيسي عند البخاريّ (1873) ، ويحيى بن يحيى النيسابوري عند مسلم (1372) ، وتتيبة بن معيد، ومَعْن عند التّرمذيّ =