الفائدةُ الثّانية:
قال [1] :"وليس في هذا الحديث ذكر الدّعوة إلى الإسلام قبل القتال".
وقد [2] اختلف العلماء في ذلك، هل يُؤمَر بها على الإطلاق، أم لا يُؤمَر بها؟
الجواب عن ذلك أنّا نقول: يُؤمر بها من لا يَعلَم، وتسقُط في حق من علم بوصول الدّعوة، واليهود في خيبر قد كان بلغتهم الدّعوة، فمن ذلك لم يأمرهم بدعوة.
وقد قال بعض علماء أهل الأصول: إنَّ هذه المسألة مبْنيةٌ على أنّ العصر ما خلا قط من سمعٍ، أو يجوز أنّ يكون خلا منه، وهي مسألة اختلاف بين أهل الأصول.
وقد احتِج لقوله - من قال: إنّه لم يخل من سمع- بقوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} الآية [3] ، وبقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [4] .
ومن ينكر القول بالعموم لا يسلّم هذا الاستدلال، وهذا الذى بناه أهل الأصول فيه نظر، وذلك أنّ قصارى ما فيه أنّه ليس في الأرض أمّة إِلَّا وقد بلغتها دعوة الرّسول - صلّى الله عليه وسلم - [5] ، وقد يمكن أنّ يكون عند هؤلاء قوم في الأرض لم يبلغهم ذلك، ولا سمعوا بظهور رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -، ويظنّون أنّ القتال إنّما كان على جهة طلب الملك، فيؤمرون بالدّعوة.
(1) القائل هو الإمام الباجي في المنتقي: 3/ 217.
(2) من هنا إلى آخر الفائدةُ مقتبس من المعلم بفوائد مسلم للمازري: 3/ 9، مع زيادات يسيرة.
(3) الملك: 8 - 9.
(4) الإسراءِ: 15.
(5) وهذا ما أكده سحنون عندما قال:"إنَّ الدّعوة اليوم قد بلغت جميع الأمم"عن النوادر والزيادات: 36، وذكر ابن رشد في البيان والتحصيل: 3/ 83 أنّ جلَّ أهل العلم يقولون: إنَّ دعوة الإسلام بلغت جميع العالم.