بجسمِ ولا لها بابٌ [1] حقيقة.
والمعنى الثّاني: تكون الرَّحمة بمعنى الجَنَّة، فإنها رحمةُ الله، وفي الحديث الصّحيح؛ أنّ الله تعالى قال للجَنَّةِ:"أنت رحمتي أرحم بك من شئت من عبادي"، وقال للنَّار:"أنت عَذَابِي أصيب بك من أشاءَ من عِبَادِي ولكل واحد منكما ملؤها".
الفائدةُ الثّالثة [2] :
قوله:"وصُفِّدَتِ الشّياطين"يعني شدّت في الصِّفَادِ، وهي الآلة الّتي تصفد بها اليدان والرِّجلانِ. والتّصفِيدُ بتخفيف الفاء هو الغُلُّ عند العرب، والشّياطين هم خَلْقٌ من خَلقِ الله، وهم ذُرِّيَة إبليس - لَعَنَهُ اللهُ-، وهم أجسامٌ يأكلون ويطعمون ويشربون ويولدون ويموتون ويعذّبون ولا يُنَعَّمون بحالٍ.
وأَنْكَرَتْ ذلك القَدَرِيّة لإضمارهم عقيدة الفلاسفة، وربمّا خَيَّلُوا على عوامّ المسلمين، فيقولون: هم أجسامٌ لطيفةٌ، لا تأكل ولا تشرب، بسائط، وكذبوا: ليس كذلك عندهم ولا عند الفلاسفة حقيقة، ولا هم موجودون، لا لطائف ولا بسائط، وقد بيَّنَّا هذا الفن في"الكتاب الكبير"فليُنظر هنالك.
تنبيه على وهم:
أمّا قولُه:"صُفَّدَتِ الشّياطين"فمن النّاس من قال: إنّه حمل المُطْلَق على المقيَّد، وليس كذلك، وإنّما هو من باب الخَاصِّ والعامّ، وذلك قولُه:"صُفِّدَتِ الشّيَاطِينُ"عامٌّ في المَرَدَةِ وغيرِهِم. وقوله:"صفِّدَتِ المَرَدَةُ مِنَ الشَّيَاطِينِ"خاصٌّ في المَرَدَةِ لا غير. والأصلُ في هذا الباب -أعني من الخاص والعام- أنّ الخاصّ والعامّ إذا وَرَدًا، لا يخلو أنّ يكونا متِّفِقَيْنِ أو مختلفين، فإن كانا مُتَّفِقَيْن، كان الخاصُّ على خصوصه والعامُّ على عمومه، ويكونُ في الخاصِّ زيادة فائدة.
مثال ذلك: قولُه -عليه السّلام-:"لا صلاةَ بعدَ العَصْرِ حتَّى تغرب الشَّمسُ، ولا صلاةَ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تطلع الشَّمسُ"هذا عام في الوَقْتِ كلِّه وحديثُ عبد الله بن عمر:"لا تحروا بصلاتكم طلوع الشّمس ولا صلاة بعد الصُّبح ولا غروبها"هذا خاصٌّ في هذا الوقت.
(1) غ:"ولا نهايات".
(2) انظرها في العارضة: 3/ 196 - 197.