فهرس الكتاب

الصفحة 1590 من 3915

فهذا يدلُّ على أنّ الكراهية لِلِّقاء ليس كراهية الموت، إنّما هو كراهية النُّقْلَة من الدُّنيا إلى الآخرة.

وقد مدحَ اللهُ أولياءَهُ بذلك فقال: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [1] فدلَّ أنّ الصِّدِّيقينَ يُحِبُّون الموتَ واللِّقاء، كما قال حُذَيْفَة بن اليَمَان في مَرَضِهِ الّذي مات فيه، سُمِعَ وهو يقول: مرحبًا بحبيبٍ جاءَ على فَاقَةٍ، فالمؤمنُ إذا نظر وعايَنَ ما هنالك من النَّعيم تمنّى اللِّقاء، وإذا عاينَ ما هنالك الكافر من العذاب والشّقاء لم يتمنّه.

قال بعضهم [2] في قوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [3] قال: معاينة مَلَك الموت بالأمر الجَسِيمِ والهَولِ العظيمِ، أو النّعيم المقيم.

وقال الحسن: {نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [4] قال: معناه: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين [5] .

وروي [6] عن ابن جُرَيج في قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [7] قال: عند الموت يعلم ما له من خير، ويعلم ما له من شرّ.

اعتراض [8] :

فإن قيل: فما معنى كراهية موسى في الموت حِينَ صَكَّ الْمَلَكَ فَفَقَأَ عَيْنَه [9] ؟

قلنا: لم يكن هذا من موسى كراهية في الموت، وإنّما كان غضَبًا من موسى لسُرعةِ غَضَبِه، وما كان غَضَبُهُ قطُّ إلَّا في الله، لا لمعنى من معاني الدّنيا.

وقال علماؤنا: إنّما غضب لأنّه كان عنده أنَّ نبيًّا لم يُقبَض قطُّ حتَّى يخيَّر، فلمّا جاء بغير تخْيِيرٍ استنكر ذلك، فأدركته حميّة الآدميّة.

وقال بعضُ علمائنا: إنّما كره موسى الموت؛ لأنّه كان يحبّ الموت في

(1) الجمعة:6.

(2) جـ:"قال بعض العلّماء".

(3) سورة ص: 88.

(4) سورة ص: 88.

(5) أورده ابن عبد البرّ في الاستذكار: 8/ 364.

(6) رواه الزّنجي مسلم بن خالد عن ابن جريج، كما نصّ علي ذلك ابن عبد البرّ في الاستذكار: 8/ 364.

(7) القيامة: 13.

(8) انظره في القبس: 2/ 433.

(9) أخرجه البخاريّ (1339) ، ومسلم (2372) من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت