وقيل: أدخلني في الشَّفَاعةِ للمُذْنِبِينَ، وأَخْرِجْنِي منها بالعِزِّ والكرامة للمُوَحِّدِينَ. قال: فأجيبت دعوته، وهذا هو الّذي عليه جمهور العلماء؟ أنّ دعوته المخبوءة لأُمَّتِهِ شفاعته [1] لأُمَّتِهِ؟ واللهُ أعلمُ.
الفائدة الثّانية [2] :
قال الإمام:"الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَة" [3] ولا أَحَدَ أحبّ من الله في السُؤال إليه [4] ، والدُّعاء والتضَرُّع لَدَيه؟ وقد اختلفَ شيوخُ الصُّوفية أيّهما أفضل، الدُّعاء أم الذِّكْر المُجَرَّد؟ فمنهم من قال؟ الذِّكْرُ المُجَرَّد أفضل، لقوله:"مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عن مسْأَلَتِي أعطيته أفضل ما أُعْطِي السَّائِلِينَ" [5] ؟ وقد قيل [6] في كَرَمِ المخلوقِينَ:
إذا أثْنى عَلَيْكَ المرءُ يَوْمَا ... كَفَاهُ [7] مِن تَعَرُضِّهِ الثَنَاءُ
فكيف بِرَبِّ العالَمِينَ؟ ومع هذا فإن البارئ تعالى يحبُّ السُّؤالَ ويُعْطِي عليه جزيلَ النَّوَالِ. وقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [8] ، وقوله في الحديث:"هَلْ مِنْ داعٍ فأستَجيبَ لَه" [9] وقال لنَبِيِّهِ صلّى الله عليه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [10] .
قال الإمام: ومنَ الغريبِ في ذلك؛ أنّ الدُّعاءَ المأثورَ عن رسولِ الله - صلّى الله عليه وسلم - أكثر من الذِّكر المأثورِ عنه.
وقوله:"مَنْ شَغَلَهُ ذِكرِي عَنْ مَسْأَلَتِي"معناهُ أنَّ العبدَ ليس في كلِّ حاله يدعو تارةً يدعو [11] ، وتارةً يذكُر، وإذا دعاهُ استجابَ له، وإذا ذَكَرَهُ أَعطاهُ أفضل ما سأَلَه، فهو الكريمُ في الحالَتَيْنِ.
(1) جـ:"شفاعة"وهي ساقطة من غ، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2) انظر القسم الأوّل من هذه الفائدة في القبس: 2/ 411.
(3) أخرجه التّرمذيّ (3371) من حديث أَنَس، وقد سبق تخريجه.
(4) في القبس:"ولا أحد أحبّ إليه السؤال من الله".
(5) أخرجه الدّارمي (3356) ، والترمذي (2926) من حديث أبي سعيد الخدري.
(6) القائل هو أُمَيَّة بن أبي الصَّلت الثّقفي، والبيتُ في ديوانه المجموع: 335.
(7) غ، جـ:"كفاك"والمثبت من القبس والديوان.
(8) غافر:60.
(9) أخرجه مسلم (758) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.
(10) البقرة: 186.
(11) "يدعو"زيادة من القبس: 7/ 199 (ط. هجر)