قال الإمام أبو بكر بن العربي: وأين ذلك اللِّسان؟ وأين تلك النِّيَّة؟ وأي ذنب مثل ذلك الذَّنب؟ فإن داود فَعَلَ جائزًا وعُوتِبَ على أنّه ذَنْبٌ على قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ، وأهلُ الكبائر يقول أحدهم: تَقَبَّل تَوْبَتِي، وهو على تخليطٍ، ولو كان من رؤوس التّائبينَ لما كان ينبغي له أنّ يطلبَ توبة كتوبَةِ الأنبياء، وهذا فيه نظر.
وأمّا سجدة فُصِّلَت"فعند قوله: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} الآية [1] ؛ لأنّها انتهاء الأمر [2] ."
وعند الشّافعيّ عند قوله: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [3] لأنّه خَبَرٌ عن امتثالٍ.
وأمّا سجدة"سورة النّجم"فسجدها رَسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - وسجدها المسلمون والمشركون والجنّ والانس [4] . وقال مالكٌ: لا يسجد فيها؛ لأنّه لم يسجد فيها من الصّحابة غير أبي هريرة وَحْدَهُ، وهو طريق آحادٍ.
وأيضًا: فإنّه لم يجد العمل عليه بالمدينة.
وأيضًا [5] : فإنّه قد رَوى زيد بن ثابت؛ أنّه قرأ على النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - النّجم فلم يسجد فيها [6] . وهذا الحديث حُجَّة مالكِ والشّافعى أنّ سجود القرآن سُنّة؛ لأنّه لو كان واجبًا كما زعم الكوفيّون لم يترك زيد السَّجدة فيها، ولا تَرَكَهُ النّبي - صلّى الله عليه وسلم -؛ لأنّه بُعِثَ مُعَلِّمًا، وهذا حديث زَيْد [7] يُبيِّن حديث ابن مسعود؛ أنّ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - حينَ سَجَدَ في {وَالنَّجْمِ} [8] بمكّة؛ أنّ ذلك كان منه إعلامًا لأُمَّتِهِ أنّ قارىءَ القرآن بالخِيَارِ إِنْ شاءَ سجدَ وإنْ شاءَ لم يسجد، وكذلك فعل عُمر [9] ، ليري النّاس أنّ ذلك ليس بواجبٍ.
وأمّا سجدة"إذا السَّماء انْشَقَّت"قال أَبو سلمة: لم أر رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يسجد فيها [10] .
(1) فصلت: 37.
(2) وهو الّذي ذهب إليه مالكٌ في المدونة: 1/ 105 في ما جاء في سجود القرآن.
(3) فصلت: 38.
(4) أخرجه البخاريّ (1071) من حديث ابن عبّاس.
(5) هذه الفقرة مقتبسة من شرح ابن بطّال: 3/ 58.
(6) أخرجه البخاريّ (1072) ، ومسلم (577) .
(7) في شرح ابن بطّال:"وحدبث زيد هذا".
(8) النجم: 1.
(9) تتمة الكلام كما في شرح ابن بطّال:"في النحل"سجد فيها مرَّة ولم يسجد أخرى"."
(10) الّذي في البخاريّ (1074) عن أبي سلمة، قال: رأيت أبا هريرة قرأ: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فسجد بها. فقلتُ: يا أبا هريرة، ألم أَرَكَ تسجُدُ؟ قال: لو لم أر النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - يَسْجُدُ لم أسجد. وأخرجه مسلم أيضًا (578) .=