-رضي الله عنه - ضرب صبيغًا عليها ونفاهُ وحرَّمَ مجالسة المسلمينَ له، حتّى كتب عامله إليه [1] بتوبته، فكتب إليه: لا أراه إلَّا صَدَقَ، فخَلِّي بينه وبين النّاس [2] .
وهذا السُّؤال الّذي وقعَ في الحديث عن النَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - وإن كان قد خرجَ عن قبيل الأعمال، فهو من فنِّ العقائد، وإنّما أَجَابَهُ النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - وهو قد كَرِهَ السُّؤالَ- لأَمْرِ قد ظهر له في السَّائلِ، وإنّما كَرِهَ السُّؤال لكَثرة الإلْحَاح عليه بذلك، لقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [3] وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} [4] و {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [5] والنوع مثل هذا كثيرٌ، يأتي بيانُه إنّ شاء الله في"كتاب الأحكام في القضاء"من هذا"الكتاب"عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية [6] ، وإنّما أَجابَ النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - للحارث [7] بِمَا ظهرَ له من أَحَدِ وجهين:
أحدهما: ما عَلِمَ من صِحَّةِ معتَقَدِه ومَقْصدِه، وأنّ غَرَضَه التّمييز لا المُعَانَدَة.
الثّاني: أنّه لَمَّا كان إشكالٌ [8] لا يعمُّ وقوعُه، ويتلجلج في الصُّدور ريبةً، تَعَيَّنَ عند السُّؤالِ كَشْفُه.
الفائدة الثّانية:
فيه أنّه قد كان منهم طائفةٌ تسأل، وطائفة تحفظ، وكلُّهم أَدَّى وبلَّغَ ما عَلِمَ، ولم يكتم أحدٌ شيئًا حتّى أكملَ اللهُ دينَهُ.
الفائدة الثّالثة:
قوله [9] :"كيفَ يَأْتيكَ الوَحْيُ"قد بيَّنَّا في"الكتاب الكبير"انقسام الوحي إلى ثمانية أقسام، لُبابُها أنّها الإعلام بكلام أو إشارة. والوحيُ هو من قولهم: وَحَى
(1) غ:"عليه".
(2) أخرجه الدارمي (148) ، وكذلك من طريق آخر البزار (299) ، وانظر مجمع الزوائد: 7: 113.
(3) البقرة: 219.
(4) البقرة: 220.
(5) البقرة: 215.
(6) المائدة: 101.
(7) خ، جـ:"للحارث"ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
(8) غ، جـ:"أشكل"ولعلّ الصَّواب ما أثبتناه.
(9) أي قول الحارث بن هشام في حديث الموطّأ (542) رواية يحيى.