فهرس الكتاب

الصفحة 1351 من 3915

من الأمر والنّهي، والخبر والاستخبار، لها حقائق ينفرد كلّ واحدٍ منها بحقيقته عن صاحبه، ولهذا المعنى الّذي فهمه مالك - رضي الله عنه - من أنّ الخبر لا يجوز أن يقع من الله كذِبًا، ومن أنّ الخَبَرَ لا يجوز أنّ يكون بمعنى الأمر، أو بمعنى النّهي، ثمّ قال [1] - رضي الله عنه - إنّ هذه الآية [2] والّتي في: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [3] سواء، يريد أنّهما راجعتان إلى الملائكة وصُحُفِها، وهذا بديعٌ في البيان لمن كان له قَلْبٌ. بَيْدَ أَنِّي أقولُ في ذلك قولًا حسنًا، وهو أنَّ المُصْحَفَ لا يمسّه إلَّا طاهرٌ؛ لأنّ قَوْلَه {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [4] خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يجوز أنّ يقع بخلاف مخبره من الله تعالى. ولكن ههنا دقيقة يجب أنّ يتفَطَّنَ لها اللَّبيب، وذلك أنّ قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [5] خبرٌ عن الشّرع وما بيّن [6] فيه. وكذلك قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [7] خبرٌ عن الشّرع وما بين فيه [8] . فإنْ وجدنا مُحْدِثًا يمسُّ المصحف، ووجدنا مُطَلَّقة لا تلتزم التَّرَبُّص، فلا يكون ذلك من الشَّرْعِ، كما قال:"لا صلاةَ إلَّا بطَهُورٍ" [9] فلا يريد نفي الوجود [10] ؛ لأنّا نجد كثيرًا ممّن يصلِّي وهو مُحْدِثٌ، وإنّما معناه: لا صلاةَ إلَّا بطَهُورٍ شَرْعًا، فإنْ وُجِدَت بغير طَهُورٍ فلا تكونُ من الشَّرْعِ. وهذا تفسير يجمعُ لك [11] فيه سلامة الحقيقة من خلطها [12] يغيرها، وبقاء اللّفظ على صيغة العربيّة الّتي وُضِعَ لها، وصِحَّة التّوحيد في تنزيه الله سبحانه عن الكَذِب، وقرار الشّريعة في نظامها، فلا [13] يشاركها في حكمها ما ليس منها.

(1) في الموطّأ (536) رواية يحيى.

(2) أي قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الواقعة: 79

(3) عبس: 1.

(4) الواقعة: 79.

(5) الواقعة: 79.

(6) غ:"بني".

(7) البقرة: 228.

(8) "بين"زيادة من القبس.

(9) أخرجه مسلم (224) من حديث ابن عمر بلفظ:"لا تقبل صلاة بغير طهور".

(10) غ، جـ:"الوجوب"والمثبت من القبس.

(11) في القبس:"وهذا نفيس، فإنّه يجمع لك".

(12) غ:"تخليطها".

(13) "في القبس:"بألّا"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت