وقد عارضَ بعضُ التاسِ هذا الخبر بحديثِ أبى هريرة؛ أنّ حسّان كان لما أَنْكَرَ عليه عمر إنشاده الشِّعْرَ في المسجد، قال: قد كنتُ أُنْشِدُ فيه وفيه مَنْ هُوَ خيرٌ منكَ، فسكتَ عمرُ [1] .
ووقع في البخاريّ [2] عن أبي سَلَمَةَ؛ أنّه سَمعَ حسَّانَ بنَ ثَابِتِ يَسْتشَهِدُ أبَا هُريرةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سَمِعْتَ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - يقولُ:"يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عن رسول الله، اللَّهُمَّ أَيّدْهُ بِرُوح القُدُسِ"قال أبو هريرة: نَعَمْ.
قال الإمام [3] : ليس في حديث هذا الباب أنّ حسّان أنشدَ شِعْرًا في المسجد بحَضْرَةِ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -، والظَّاهرُ أنّه كان ذلك في المسجدِ وأنّه أنشدَ فيه ما جاوبَ به المشِركينَ.
الفقه في ثلاث مسائل [4] :
المسألة الأرلى:
اختلف العلماء في إنشادِ الشِّعْر في المسجد، فاجازه طائفة إذا كان الشِّعْرُ ممّا لا بأس به [5] ، وإذا كان فيه حِكْمَة، أو فيه ذِكر فخر النَّبيِّ [6] والصّحابة، فذلك جائزٌ لا خلافَ فيه؛ لأنّ الشِّعْرَ إنّما هو كلامٌ موزونٌ، فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، وقبيحُه قبيحٌ.
أمّا الحَسَنُ فجائزٌ لما قدمناه، ولما رَوَى عبد الملك بن حبيب، قال: رأيتُ ابن الماجِشُون ومحمد بن سلام يُنْشِدَانِ فيه الشِّعْرَ ويَذْكُران أيّام العَرَب.
المسألة الثّانية:
وأمّا ما كان قبيحًا ممّا لا حِكْمَةَ فيه ولا عِلْمَ، فينبغي أنّ يُنَزَّهَ المسجدُ عن
(1) أخرجه البخاريّ (3212) ، ومسلم (2485) .
(2) الحديث (453) .
(3) هذه الفمرة مقتبسة بتصرّف من شرح ابن بطّال على البخاريّ: 2/ 102 - 103
(4) سها المؤلِّف عن ذكر المسألة الثّالثة، وكلامه في فقه المسألتين مقتبس بتصرُّفٍ وزيادات طفيفة من المصدر السابق: 2/ 103.
(5) يقول المؤلِّف في العارضة: 2/ 119"ولا بأس بإنشاد الشِّعر في المسجد إذا كان في مدح الدِّين وإقامة الشرع". ويقول القنازعيّ في شرحه للموطَّأ: الورقة 41"البطيحاء النّبيّ بناها عمر كانت دكانًا كبيرًا بجانب مسجد رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -. وقوله:"من أراد أنّ يلغط"يعني: من أراد أنّ يتكلّم في مسجد رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - بما لا ينبغي مِن الكلام، أو ينشد فيه الشّعر القبيح فليخرج من المسجد إلى هذه البطيحاء أو غيرها. وهذا أصل فبمن كَثُرَ كلامه في المسجد بما لا ينبغي"
(6) - صلّى الله عليه وسلم -.