وثالثهما: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر ، فِي حال كونهما معذبين ويدعوان إليه ، وهما يعاقبان .
وهكذا ، الإمام أبو مسلم احتج على بطلان نزول السحر عليهما أيضاً بوجوه:
الأول: أن السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزّله هو الله ، وذلك غير جائز ؛ لأن السحر كفر وعبث لا يليق بالله تعالى إنزال ذلك .
الثاني: أن قوله: {وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} يدل على أن تعليم السحر كفر . فلو ثبت فِي الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر . وذلك باطل .
الثالث: كما لا يجوز فِي الأنبياء أن يبعثوا لعليم السحر ، فكذلك فِي الملائكة بطريق الأولى .
الرابع: إن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب ؟ وهل السحر إلا الباطل المموه ؟ وقد جرت عادة الله بإبطاله ، كما قال فِي قصة موسى عليه السلام: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} [يونس: 81] انتهى .
وقد ساق الرازيّ ما ارتآه أبو مسلم فِي تفسير هذه الآية . ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب . وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم فِي كتابه"الفصل"فِي بحث عصمة الملائكة ففيه تكلف وتمحل غريب ، كما يعلم بمراجعتهما .
وللراغب الأصفهاني احتمالات فِي تصحيح القصة ، وتجويزات عجيبة تنبو عن الحق الصراح الذي آثرنا نقله أولاً عن بعض المحققين . والله أعلم .