وللقُصاص فِي هاروت وماروت فِي أحاديث عجيبة . فزعموا أنهما كان ملكين من الملائكة ، وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي ، أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض . فأوحى الله إليهما: إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني ، فقالا: يا رب ، لو ابتليتنا لم نفعل ، فجرّبنا . فأهبطهما إلى الأرض ، وابتلاهما الله بشهوات بني آدم ، فمكثا فِي بلدة كانت فيها فاجرة تسمى: الزهرة ، فدعواها إلى الفاحشة وواقعاها بعد أن شربا الخمر ، وقتلا النفس وسجدا للصّنم ، وعلمّاها الاسم الأعظم ، الذي كانا به يعرجان إلى السماء ، فتكلمت المرأة بذلك الاسم ، وعرجت إلى السماء ، فمسخها الله تعالى ، وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة . ثم إن الله تعالى عرّف هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ، ثم خيّرهما بين عذاب الآخرة آجلاً ، وبين عذاب الدنيا عاجلاً ، فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلهما ببابل منكوسين فِي بئر إلى يوم القيامة ، وهما يعلّمان الناس السحر ، ويدعوان إليه ، ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة .
وهذه القصة من اختلاق اليهود وتقولاتهم . ولم يقل بها القرآن قط ، وإنما ذكرها التلمود ، كما يعلم من مراجعة"مدارس يدكوت"فِي الاصحاح الثالث والثلاثين ، وجاراه جهلة القصاص من المسلمين ، فأخذوا منه .
قال الرازي فِي تفسيره: إن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه:
أحدها: أنهم ذكروا فِي القصة أن الله تعالى قال لهما - أي: لهاروت وماروت -: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني ، فقالا: لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيانك ، وهذا منهم تكذيب لله تعالى ، وتجهيل له ، وذلك من صريح الكفر .
وثانيها: أنهما خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وذلك فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب ، والله تعالى خيّر بينهما من أشرك به طول عمره ، وبالغ فِي إيذاء أنبيائه .