فجاء الإيضاح الماهيتين ، أو لأن السحر الذي يوقع التفرقة بين أعداء الله وأوليائه كان مباحاً ، أو مندوباً ، فبعثا لذلك ، ثم استعمله القوم فِي التفرقة بين أولياء الله.
أو لأن الجن كان عندهم من أنواع السحر ما لم تقدر البشر على مثله ، فأنزلا بذلك لأجل المعارضة.
وقيل: أنزلا على إدريس ، لأن الملائكة لا يكونون رسلاً لكافة الناس ، ولا بد من رسول من البشر.
{ببابل} : قال ابن مسعود: هي فِي سواد الكوفة.
وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين.
وقيل: هي جبل دماوند.
وقيل: هي بالمغرب.
وقيل: فِي أرض غير معلومة ، فيها هاروت وماروت ، وسميت ببابل ، قال الخليل: لتبلبل الألسنة حين أراد الله أن يخالف بينها ، أتت ريح فحشرت الناس إلى بابل ، فلم يدر أحد ما يقول الآخر ، ثم فرّقتهم الريح فِي البلاد.
وقيل: لتبلبل الألسنة بها عند سقوط قصر نمروذ.
{هاروت وماروت} : قرأ الجمهور: بفتح التاء ، وهما بدل من الملكين ، وتكون الفتحة علامة للجرّ لأنهما لا ينصرفان ، وذلك إذا قلنا إنهما إسمان لهما.
وقيل: بدل من الناس ، فتكون الفتحة علامة للنصب ، ولا يكون هاروت وماروت اسمين للملكين.
وقيل: هما قبيلتان من الشياطين ، فعلى هذا يكونان بدلاً من الشياطين ، وتكون الفتحة علامة للنصب ، على قراءة من نصب الشياطين.
وأما من رفع الشياطين ، فانتصابهما على الذم ، كأنه قال: أذم هاروت وماروت ، أي هاتين القبيلتين ، كما قال الشاعر:
أقارع عوف لا أحاول غيرها ...
وجوه قرود تبتغي من تخادع
وهذا على قراءة الملكين ، بفتح اللام.
وأما من قرأ بكسرها ، فيكونان بدلاً من الملكين ، إلا إذا فسرا بداود وسليمان عليهما السلام ، فلا يكون هاروت وماروت بدلاً منهما ، ولكن يتعلقان بالشياطين على الوجهين اللذين ذكرنا فِي رفع الشياطين ونصبه.