وقوله: {بِإِذْنِ اللّهِ} أي: بأمره . وقوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من التوراة وبقية الصحف المنزلة . وقوله: {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: يهدي للرشد وبشرى لهم بالجنة ، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44] الآية ، وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] وفيه رد على اليهود ، حيث قالوا: إن جبريل ينزل بالحرب والشدة كما والشدة ، فقيل: فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضاً . فإن قيل: من شأن الشرط والجزاء الاتصال بالسببية والترتب ، فكيف استقام قوله: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} جزاء للشرط ؟ أجيب بأن قوله: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} تعليل لجواب الشرط ، كما أسلفنا . والمعنى: من عادى جبريل من أهل الكتاب ، فلا وجه لمعاداته ، بل يجب عليه محبته ، فإنه نزل عليك كتاباً مصدقاً لكتبهم . فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه ، فِي إنزاله ما ينفعهم ، ويصحح المنزل عليهم . وقيل: الجواب محذوف تقديره: فليمت غيظاً . وعليه فلا يكون: {فإنه نزله} نائباً عنه . ووجهه أن يقدر الجواب مؤخراً عن قوله: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} ويكون هو تعليلاً وبياناً لسبب العداوة ، كأنه قيل: من عاداه ؛ لأنه نزل على قلبك فليمت غيظاً .
قال الرضى: كثيراً ما يدخل الفاء على السبب ويكون بمعنى اللام ، قال الله تعالى
{قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34] ، وقيل تقديره: فهو عدو لي وأنا عدوه ، بقرينة الجملة المعترضة المذكورة بعده فِي وعيدهم ، هي قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} أي: من كان عدواً لله لإنزاله فضله على من يشاء أو لأمر آخر .