وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة فِي توبيخكم ، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد فِي فضيحتهم فِي الآخرة . وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة ، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي ، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك ، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب . وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل فِي حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي فِي اعتقادي وحكمي . وهذا عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة كذا {أفلا تعقلون} أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم {أو لا يعلمون أن الله يعلم} جميع {ما يسرون وما يعلنون} ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان ، خوّفهم الله تعالى بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية {ومنهم أميون} لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء ، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة {لا يعلمون الكتاب} التوراة {إلا أماني} وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر . تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية ، لأن المتمني يقدر فِي نفسه ويجوّز ما يتمناه ، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم ، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة . وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد . يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟ وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا . وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب . وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم"تمنيت الكتاب قرأته"قال الشاعر يرثي عثمان:
تمنى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخرها لا فِي حمام المقادر