وفي هذه القصة القصيرة - كما يعرضها السياق القرآني - مجال للنظر فِي جوانب شتى .. جانب دلالتها على طبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة. وجانب دلالتها على قدرة الخالق، وحقيقة البعث، وطبيعة الموت والحياة. ثم جانب الأداء الفني فِي عرض القصة بدءاً ونهاية واتساقاً مع السياق ..
إن السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة فِي قصة البقرة هذه: انقطاع الصلة بين قلوبهم، وذلك النبع الشفيف الرقراق: نبع الإيمان بالغيب، والثقة بالله، والاستعداد لتصديق ما يأتيهم به الرسل. ثم التلكؤ فِي الاستجابة للتكاليف، وتلمس الحجج والمعاذير، والسخرية المنبعثة من صفاقة القلب وسلاطة اللسان!
لقد قال لهم نبيهم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} .. وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ. فنبيهم هو زعيمهم الذي أنقذهم من العذاب المهين، برحمة من الله ورعاية وتعليم؛ وهو ينبئهم أن هذا ليس أمره وليس رأيه، إنما هو أمر الله، الذي يسير بهم على هداه .. فماذا كان الجواب؟ لقد كان جوابهم سفاهة وسوء أدب، واتهاماً لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم! كأنما يجوز لإنسان يعرف الله - فضلاً على أن يكون رسول الله - أن يتخذ اسم الله وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس:
{قالوا: أتتخذنا هزواً؟} .
وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ بالله؛ وأن يردهم برفق، وعن طريق التعريض والتلميح، إلى جادة الأدب الواجب فِي جانب الخالق جل علاه؛ وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر الله، لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه:
{قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} ..
وكان فِي هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم، ويرجعوا إلى ربهم، وينفذوا أمر نبيهم .. ولكنها إسرائيل!